الاثنين، 19 سبتمبر، 2011

حقوق الإنسان السوري - ليست نكتة

مقالة أخرى من الأرشيف، تذكرتها وأنا أشاهد الحملة اللطيفة التي قام بها بعض الناشطين من شباب الثورة لنشر فيديو إعدام الحمير، والتي ترافقت مع تصريح الأمين العام للأمم المتحدة بأن على دول العالم أن تتخذ موقفاً موحداً تجاه نظام الأسد، فعلق أحد الظرفاء بأن الحملة آتت أكلها طالما أن ضمير الأمين العام تحرك لمشهد إعدام الحمير، ولم يتحرك لارتقاء ما يزيد على أربعة آلاف شهيد منهم مئات الأطفال والنساء.

2006 عام حقوق الإنسان السوري

يشكو عالمنا العربي عموماً من فقر في توثيق حقوق الإنسان فيه، وتقنينها ضمن النظم القائمة والرقابة على تطبيقها، وتتفاوت نسبة هذا الفقر بحسب تقدم الدولة ومدى استقرار النظام السياسي فيها وحميمية علاقته بمواطنيه.
أما سورية التي أنعم الله عليها بقيادة مثقفة وواعية، فقد خطت خطوات هائلة في مجال حقوق الإنسان جعلت من المعقول أن نقترح الاحتفال بالعام 2006 على أنه عام حقوق الإنسان السوري الذي تحقق له في هذا العام ما لم يتحقق لأشقائه في الدول العربية مجتمعة.

فقد تصدرت كلمات حقوق الإنسان، والحرص على ترديدها والدعوة إلى حمايتها معظم الصحف السورية (وهي كلها رسمية) أثناء حديثها عن الانتهاكات الفظيعة التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية ضد حقوق الإنسان في غوانتانامو والعراق، أو تساندها في فلسطين ولبنان.

المثال السوري
بل إن البحث عن كلمات حقوق الإنسان على موقع وكالة الأنباء السورية يخرج بما يزيد عن ثلاثمائة مادة صحفية نشرتها الوكالة تتحدث عن حقوق الإنسان في العالم كله عدا سورية حيث يتمتع الإنسان السوري بأعلى مستوى من التعامل بحيث أصبحت سورية مثلاً يحتذى في مجال حقوق الإنسان حسب ما صرح وزير الإعلام (ما غيره) الدكتور محسن بلال أثناء لقائه بالسفير الدانمركي في أيار الماضي.

هذا الخبر ليس تشنيعة من عندي، بل إن الدكتور بلال كان جاداً جداً عندما أبدى "استهجانه حيال بيان الاتحاد الأوروبي حول حقوق الإنسان (بخصوص اعتقالات الناشطين السوريين) الذي يتجاهل في الوقت ذاته حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق، ووصف البيان الأوروبي بأنه "تدخل سافر في الشؤون الداخلية للبلدان وانتهاك للقوانين والمواثيق الدولية" حسب ما ذكرت وكالة الأنباء السورية، وأضاف الوزير المثقف: إن "سورية كانت وما زالت ترعى حقوق مواطنيها وتحافظ عليها ويتجلى ذلك في الإخاء بين جميع أبنائها والذي يشكل أنموذجاً يحتذى به"

الصحافة السورية وحقوق الإنسان
أما صحيفة الثورة ففي عدد يوم 25/5/2006 نشرت خبراً عن إدانة التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية التجاوزات الخطيرة في مجال حقوق الإنسان في كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا!
وبينت الصحيفة – دون أن تتطرق للجزء الذي تحتله سورية من التقرير – أن الإدانة للولايات المتحدة وبريطانيا تتعلق بسن تشريعات تتعارض مع حقوق الإنسان في إطار حربهما ضد الإرهاب. يعني باختصار المشكلة لديهم هي هل نختم جواز المسافر من المطار أم لا؟ إذ كانت معظم الدول الغربية لا تختم جوازات المغادرين للمحافظة على خصوصيتهم، أما في سورية التي يحتاج المواطن فيها إلى تأشيرة خروج حتى يتكرم الشرطي في الجوازات بختم جوازه (بعد أن يقبض المعلوم طبعاً) فلا تستحق من جريدة الثورة سوى الإشادة بالتقدم الذي تحققه في مجال حقوق الإنسان.
ومن المنطقي أن لا تتناول صحيفة الثورة أي شيء يخص حقوق الإنسان في سورية، إذ أن منظمة العفو الدولية تسرد عشرات الانتهاكات التي تقوم بها الحكومة السورية يومياً ضد مواطنيها، ليس أقلها " طرد الموظفين الرسميين بسبب تعبيرهم عن آرائهم" ولا أكثرها " بواعث قلق بشأن التعذيب/اعتقال بمعزل عن العالم الخارجي/سجناء رأي"

الوزيرة الأديبة
وتكتمل الحلقة بمعالي الوزيرة المثقفة الأديبة بثينة شعبان التي تكتب أسبوعياً أكثر من مقال يتناول كل شيء إلا هموم وزارتها التي لا تملك أن تحل مشكلة الجوازات لأبناء المنفيين القهريين الذي ولدوا في الغربة وعاشوا لا يعرفون وطنهم.
فقد كتبت مقالة بعنوان " 5/5/2006 يوم تاريخي" تهاجم فيه الاستبداد الأمريكي واستخدام التعذيب والسجون السرية والاعتقالات على الشبهة.
وتزيد بلغة أدبية راقية: "ولينظر العرب والمسلمون إلى إيفو موراليس وشافيز وسيلفا  دي لولا وكير شنر الذين يعيدون ثروات بلادهم إلى شعوبهم ويصونون كرامة هذه الشعوب في وجه حملة عاتية فيما يتساقط الطغاة الواحد بعد الآخر. ولندعو العالم لفتح أبواب السجون،  السريّة منها والعلنية، بما في ذلك في إسرائيل عن النساء والرجال والأطفال"
حسناً يا سيدتي، افتحوا السجون السورية وأطلقوا معتقلي الرأي، وأوقفوا التعذيب في فرع فلسطين الرهيب، بل اسمحوا للسجناء فقط أن يتنفسوا هواء نقياً ساعة في اليوم ليشعروا بشيء من (الحيوانية) لا الآدمية، لأن تعامل رجال المخابرات (المسؤولين عن أمن معاليك) أسوأ من تعامل المجرمين مع الحيوانات.

وقاحة يندر مثيلها
الحقيقة، عام 2006 يستحق أن يسجل بحق عام الصفاقة الرسمية السورية، فمسؤولو النظام المستبد في دمشق الذين يمارسون الإجرام ضد شعبهم صباح مساء، ويكذبون على الشعوب العربية متظاهرين بمعاداة أمريكا في الوقت الذي يقومون فيه بتعذيب معتقلين لصالح الأجهزة الأمريكية التي تنتقدها الوزيرة المثقفة متجاهلة بوقاحة يندر مثيلها أن حكومتها هي التي تقوم بالتعذيب بالوكالة عن الأمريكان، كما أثبت التحقيق الكندي المستقل في قضية ماهر عرار، هؤلاء المسؤولون أنفسهم يتشدقون بحقوق الإنسان وينظرون لها دون خجل ولا بقية من حياء أمام العالم كله.

يقول صديقي، حين أسمع المسؤولين السوريين يتحدثون عن حقوق الإنسان أضحك من قلبي متذكراً الكوميدي المصري محمد سعد حين وجه كلامه إلى أعضاء اللجنة الدولية (لحروق اللسان).

نشرت بتاريخ 20/6/2006 في شفاف الشرق الأوسط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق