‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاهدات من سوريا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاهدات من سوريا. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 22 أبريل 2013

مجلس شؤون المجالس

ابتليت سوريا منذ عقود بحكم ديكتاتوري جفف منابع الحوار والتفاهم بين أبنائها، وجعل العمل الجماعي مسألة في غاية الصعوبة، إن لم نقل مستحيلة. تنطبق هذه الصعوبة على الأعمال التجارية والخيرية، وبالتأكيد السياسية التي كانت شبه معدومة خلال سنوات حكم عائلة الأسد.
ورغم مضي أكثر من عامين على انطلاق ثورة الكرامة، ووجود جهود منظمة للعمل الجماعي، بدأت بالتنسيقيات ثم في كتائب الجيش الحر، والمحاولات المختلفة لتشكيل كيانات معارضة سياسية، إلا أن الافتقاد لثقافة العمل الجماعي، ووجود زعماء أكثر من عدد الشعب، والاعتقاد المطلق بصواب الرأي الشخصي وخطأ الآخرين، كل ذلك ما زال يلقي ظلاله على إمكانية تحقيق تقدم على الأرض، دون أن نغفل بالطبع المؤامرة الكبرى على الشعب السوري، والتي تهدف إلى إطالة الأزمة والاقتتال قدر الإمكان لتدمير البلد تماماً.
ليس هذا الكلام جديداً فقد سبق أن قاله الكثيرون، لكن ما نكأ جروحي وجعلني أعود إليه ما لمسته مؤخراً من انطلاق عدد كبير من الهيئات والمجالس التي تدعي كلها أن لديها الحل السحري، وتضع في إعلانات تأسيسها كلمات كبيرة وأهداف عظيمة، تحس عند قراءتها أن لا أحد يعمل فعلياً سوى مؤسسي هذا المجلس أو الكيان.
كتائب الجيش الحر تتوحد ضمن ألوية، ثم لا تلبث مجموعة من المنضوين تحت هذا اللواء أو ذاك أن تختلف مع قيادة اللواء، فتقوم بالانسحاب وتشكيل لواء جديد، لا يهم العدد، فطالما كان أهل الحق قلة .. هكذا يبررون. بعضهم يشكل كتيبة جديدة ضمن اللواء نفسه كي لا يخسر الدعم المادي الذي يحصل عليه اللواء، لكنه يحتفظ بقدر من الاستقلالية يتيح له، في اللحظة المناسبة، أن ينفصل عنه.
المجالس المحلية .. وما أكثرها. في كل حي مجلس أو اثنان، وفي المدينة هناك مجالس تتنازع ادعاء الشرعية، وكذلك الأمر في المحافظة، وهو ما لمسته بشكل شخصي خلال العمل على الإعداد لانتخابات أحد المجالس المحلية، كان المسؤولون عن الاتصال يتفاوضون مع مجلس أحد الأحياء فنفاجأ بزيارة من مجموعة أشخاص يقولون أنهم يمثلون الحي، والآخرون نصابين. كان المخاض صعباً جداً، وحتى بعد أن تمت الانتخابات وتشكل المجلس أصبح عاجزاً عن العمل، لأن من لم تعجبهم نتيجة الانتخابات رفضوا التعاون.
القضاء والمحاكم لم تسلم هي الأخرى من هذا التفتيت، يقوم مجموعة بتشكيل مجلس، وعند أول اختلاف في الرأي ينسحب جزء منهم ليشكلوا مجلساً مناوئاً يكون هدفه الأول سحب البساط من تحت قدمي زملاء النضال .. السابقين.
حتى المهنيون والعاملون في المجالات الخدمية، تتكلم مع مجموعة منهم وتبدأ التنسيق للمساعدة، ثم تلتقي بصديق يقول لك أنه يتكلم مع مجموعة تعمل في نفس المجال، لكنها غير الأولى .. وهكذا.
الشرعيون، الذين يفترض أنهم الأوعى بأهمية وحدة الصف، وهم من تقع عليهم مسؤولية توعية كتائب الجيش الحر، باعتبار أن معظمها –إن لم يكن كلها- ترتدي العباءة الإسلامية، حتى هؤلاء الشرعيين لم يسلموا من هذا الداء، فمجالسهم وهيئاتهم كثيرة وكلها متناحرة.
أما المعارضة السياسية فلسنا بحاجة للدخول في تفصيلات خلافاتها، كياناتها وهيئاتها أكثر من أن نعدها، وكلها تدعي الشرعية والتمثيل، وتتسابق لتقبيل أقدام حفنة من المقاتلين كي يعلنوا دعمهم لها، أو تقوم بتوفير بعض الدعم لناشطين على الأرض مقابل الحصول على التأييد المصور في مقاطع يوتيوب.
طبعاً لا يستفيد من هذا الوضع سوى النظام، فهو يدرك تماماً طبيعة الوضع على الأرض، ويعرف أن وجود جهد موحد لإسقاطه مسألة لن تحصل، ولذلك يلعب على هذه الانقسامات، ويعززها بطرق مختلفة، ساعدته على اقتحام المناطق الإستراتيجية بالتتالي ودون الخشية من فصائل أخرى قد تهب لنجدة المحاصَرين.

لذلك، أقترح إنشاء مجلس جديد، تكون مهمته رعاية شؤون المجالس، ويتولى التنسيق بينها، وتحديد الاختصاصات، وتسجيل العدد الهائل من المجالس التي تظهر كل يوم، والاحتفاظ ببيانات كافية عنها، وربما يقدم خدمات إضافية لاختيار الأسماء، حتى لا تتكرر الأسماء كما يحصل الآن، بل يمكنه أيضاً وضع الأنظمة الداخلية لهذه المجالس والمساعدة في بناء هياكلها التنظيمية واختراع المناصب الكافية لإرضاء كل الطامحين في الزعامة، أي جميع الأعضاء المنضوين تحت المجلس.

أيها السوريون: لا تبكوا ضحايا المجازر، ولا تستصرخوا أمم الأرض لأن أعداد الشهداء تجاوزت الخمسمائة شهيد يومياً، بل ابكوا أنفسكم وبلادكم، فهذه ليست سوى البداية، والقادم أسوأ ما لم تتحد الصفوف.

السبت، 9 فبراير 2013

أدركوا حلبَ قبل أن تغرقها النفايات

الصور تتحدث عن نفسها!
التقطت هذه الصور يوم الأربعاء 30-01-2013 ، وسط تحذير من انتشار داء اللشمانيا الذي كان قد اختفى من حلب، وظهور حالات مرضية متعددة بسبب تراكم النفايات.

الصورة الأخيرة من أحد الشوارع التي يعمل بها متطوعون مدعومون من المجلس الانتقالي، وقد استطاعوا تنظيف الشارع لكن نقص التمويل يقف عائقاً أمام استمرار هذه الجهود.

حلب.. اختيرت ثاني عاصمة للثقافة الإسلامية بعد مكة المكرمة لما لها من أثر كبير في الثقافة الإسلامية، توشك أن تختفي تحت أطنان القمامة المتراكمة، ويوشك أهلها على الموت مرضاً ، وبرداً ، وجوعاً و ... قصفاً.
قد لا يكون بيدنا أن ندفع القصف، ولكننا محاسبون على بقية العوامل التي تفتك بها.
















الخميس، 7 فبراير 2013

مجزرة نهر قويق .. ودجل الإعلام السوري


القذر شادي حلوة وقف في إحدى القنوات المقفولة ليقول أن نهر قويق لا يوجد فيه من تيار الماء ما يكفي لدفع الجثث
الفيديو التالي صورته تحت جسر الحج، حيث ظهرت الجثث، ويتبين فيه جريان الماء ومحاولات جنود الجيش الحر وضع حواجز لاستكمال البحث عن باقي الجثث


 
الصورة التالية من خرائط جهاز الآيباد وتوضح بالضبط مكان استخراج الجثث ، العلامة الزرقاء على الخريطة هي مكان وقوفي.

 


الجمعة، 1 فبراير 2013

فماذا يفعل الشيخ معاذ؟

قامت الدنيا ولم تقعد عندما تداولت وكالات الأنباء إعلان الشيخ أحمد معاذ الخطيب، رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، استعداده للتفاوض مع ممثلين عن النظام السوري خارج سوريا وبشرطين أساسيين وضعهما.
تسابق الصادقون والمنافقون، والمتألمون والمزايدون، والمتعاطفون والمتاجرون بدماء السوريين إلى الهجوم عليه، كأن الرجل ارتكب خطيئة كبرى.
وبعيداً عن الموقف العقلاني الذي يستدعي الانتظار حتى تكتمل الصورة، والبحث عن ما وراء هذا الإعلان من ضغوط، علينا التوقف أمام الحالة النفسية التي جعلت رجلاً مثل الشيخ معاذ، كان حتى الأسبوع الماضي يرفض التحاور مع الروس –فضلاً عن النظام- إلا بشروطه هو، جعلته يعلن عن قبوله التفاوض مع ممثلي النظام.
حين صدر التصريح عن الشيخ معاذ كنت في حلب المحررة، ولم أسمع به إلا متأخراً بعد أن هاجت الدنيا وماجت، ورغم الحشد الرهيب ضد التصريح، والحملات المختلفة من جهات متعددة في المعارضة، لم أتأثر بهذه الآراء ووجدت أن الرجل الذي انتخبه ممثلو المعارضة رئيساً للائتلاف قد تصرف بحكمة شديدة.
كنت عائداً لتوي من زيارة لوسط حلب، رأيت الجثث التي أخرجت منن النهر، وشاهدت الأمهات والزوجات يبكين شهدائهن، كسرتني دموع الشيوخ الواقفين على الباب الخارجين محدقين في الفراغ، وحين عاودت الانطلاق في شوارع حلب المليئة بالقمامة، واستوقفتني تلك العجوز التي تحمل حفيدتها سائلة ثمن اللقمة، وحين شاهدت الخرائب التي تتزايد يومياً دون أن نملك معالجة الوضع، شعرت باليأس التام والإحباط من ما وصلنا إليه.
لذلك اقتنعت أن ما قام به الشيخ معاذ هو الصواب.
لقد قبل الرجل المسؤولية بناء على وعود متنوعة بدعم الثورة ومساعدة المدنيين، لم تلبث أن تبخرت وتركته في وجه المدفع، يواجه نظاماً متغولاً متوحشاً يحظى بدعم العالم كله، بما فيه الأمم المتحدة المنافقة التي تحجب المساعدات الإنسانية عن السوريين وتعطيها لهذا النظام، وشعباً يموت يومياً بالقصف والإعدامات، والجوع والبرد .. والحنين، ومعارضة متسلقة تبحث عن مطعن تهاجمه منه بعد أن سحب البساط الذي وقفت عليه طويلاً دون أن تقوم بأي عمل.
قرر الشيخ معاذ وبقية أعضاء الائتلاف تأجيل التصويت على موضوع الحكومة المؤقتة –التي يطلبها العالم الغربي بشدة– لحين وجود ضمانات بتوفر التمويل الكافي لها لخدمة الثورة، وهذا ما أغضب المتآمرين الذين يريدون إنشاء حكومة يرأسها شخص من المنشقين عن النظام ليسهل عليهم إملاء ما يشاؤون من شروط.
ويبدو أن ما سمعه الشيخ من اللاعبين الأساسيين جعله يدرك أن عليه القيام بمناورة سياسية تحرج النظام والعالم المنافق الذي يدعمه سراً ويشتمه علناً، فأعلن عن استعداده للتفاوض جاعلاً من الشروط التي وضعها عقبة أمام النظام، فإما أن يقبلها، ويعترف بوجود أكثر من مائة وخمسين الف معتقلاً، ويكشف عن مصير مفقودين، ويفقد عامل الضغط الذي يمارسه الآن على المنفيين السوريين بعدم تجديد جوازات سفرهم، كل ذلك مقابل التفاوض غير المحدد النطاق كما جاء في تصريحه، أو يرفض النظام التفاوض فيكون هو وداعموه من يصرون على الحل، ويحرج المنافقين الدوليين.
غابت معاناة شعبنا عن بال السياسيين الذين هاجموا ما عرضه الشيخ معاذ، وغاب عنهم ما يجري في كواليس السياسة القذرة، وبقي الشيخ وحده يحمل هم شعبه الذي يقتل كل يوم بالآلاف.
لهؤلاء المعترضين والرافضين أوجه السؤال: من تنتظرون أن يدعم هذه الثورة التي كادت تكمل عامها الثاني وسط عشرات ألوف الشهداء؟
لهؤلاء المعترضين أقول: لو عرفتم كيف تحصلون على قرش واحد من أموال النظام التي يزعم منافقو العرب والعجم أنهم جمدوها، فضلاً عن التبرعات الشعبية التي يحاصرونها، فحينها قد يحق لكم أن تعترضوا.
أخيراً، كي تدركوا الحالة المتردية التي وصلنا لها، إليكم هذه الحادثة التي حصلت مع صديق في إحدى دول الخليج، كان يحدث أصدقاءه عن الشعب السوري الذي يذبح يومياً، ويموت أطفاله من الجوع والبرد ولا يجدون الأكفان، فتعاطفوا ونقلوا الحالة إلى أسرهم، واتصلت إحدى النساء بزوجته تخبرها أنها تريد التبرع بمائتي كفن لسوريا!
أيها المعارضون المعترضون، أيها الأصدقاء المنافقون، أيها الأشقاء الكاذبون: تباً لكم (بالإنجليزي).
 
 


الثلاثاء، 15 يناير 2013

أبطال جامعة حلب .. جامعة الثورة

ارتكب النظام المجرم اليوم مجزرة جديدة في جامعة حلب، راح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى .. لا أملك العدد بالتحديد فلم تنته عمليات الإسعاف حتى الآن.
 
لماذا يستهدف النظام جامعة حلب بصاروخين؟؟ لأنها كانت مقر تفجير الثورة في حلب التي يوشك أن يطر منها شر طردة.
 
كنت قد قابلت العشرات من أبطال جامعة الثورة، كما أصبح يطلق عليها، في حلب خلال الأشهر الماضية، بعضهم متطوع في الجيش الحر، بعضهم يعمل في الإغاثة، وبعضهم ما زال يحمل روحه على كفه ويحاول إزالة الخوف من نفوس السكان الباقين في الأحياء التي يسيطر عليها النظام.
 
أحد هؤلاء الأبطال حضر معنا مؤتمراً في إسطنبول وتحدث عن جامعة حلب ودورها في إشعال فتيل الثورة في المدينة السورية الأكبر، والتي تأخرت عن شقيقاتها.
طلب إطفاء الضوء ليعرض هذا الفيديو القصير الذي يختصر الحكاية، وعند إضاءته بعد انتهاء الفيديو، كان معظم الحاضرين يمسحون بقايا الدموع، لأننا سمعنا من بطلنا - ومن غيره- ما كان زبانية النظام يفعلونه بهؤلاء الأبطال، ومع ذلك لم يتراجعوا.
 
 
 
لهذا النظام المجرم نقول: سنحاسب كل من يدافع عنك على هذه الجرائم، وحلب لن تنكسر .. حلب ستبقى شوكة في عيونكم.

الاثنين، 3 ديسمبر 2012

قصف المستشفيات

مشفى الفارابي، شمال حلب، قرب البليرمون حيث تدور المعارك عند مقر المخابرات الجوية، قصفه النظام بعد تحرير المنطقة على يد الجيش الحر، وهذا ما تبقى منه





الجمعة، 30 نوفمبر 2012

شباب حلب

اتصلت به بعد أن ازداد القصف على عندان، ولما رد على الهاتف سألته مازحاً: هل استشهدت أم ليس بعد؟
أجابني بحزن: يبدو أنني لا أستحق الشهادة بعد.
هكذا بدأ أبو هريرة حديثه وهو يجلس بجانبي. ابن الحادية والعشرين عاماً الذي كان يدرس الهندسة وتركها للالتحاق بالثورة شاب يميزه عن أقرانه طوله الفارع ونحوله الشديد.
منذ وصلت إلى مقر المجلس لاحظت هذا الشاب المرح الذي يمازح الجميع، ويحبه كل الموجودين. أحببت أدبه الجم حين اعتذر لي عن الضجة التي أحدثها مع أصحابه الشباب قبل النوم وأزعجت كهلاً مثلي تعود الهدوء.
غبت يومين عنه وعدت لأجده شخصاً آخر كئيباً طول الوقت. ظننت أن أحداً أزعجه فسألته عن ما به؟ أجابني أن أبا الزبير قد استشهد. أكمل والدموع تترقرق في عينيه: هو أصغر مني، لم يكمل الثامنة عشرة بعد، ولكنه استشهد.
تركني ومضى، وبقي لعدة أيام يتجنب الحديث مع الجميع، مكتفياً بحزنه وصمته.
بالأمس نام ساعتين قبل الفجر، وبعد انتهاء الصلاة انتبه إلى أنني لم أذهب للنوم كما فعل بقية الشباب فسألني إن كنت أريد مشاركته القهوة. سألته:
-
ألن تعود إلى النوم؟ لم تنم كفايتك.
-
لا أستطيع النوم، لا يغيب أبو الزبير عن بالي.
وجدت الفرصة سانحة لأخفف عنه قليلاً فنحيت أوراقي وحاسبي جانباً واستمعت إليه يحكي لي عن أبي الزبير، الشاب البطل الذي وافق حديثنا عنه يوم يكمل الثامنة عشرة من عمره، لو كان حياً.
أحاول أن أنقل قصة أبي الزبير كما حكاها لي أبو هريرة، إذ بدأها قائلاً:
تعرفتُ إليه على الإنترنت، من خلال تنسيقية تعمل على تجميع ثوار حلب لتحقيق الحراك. كنا قد شعرنا أننا بحاجة لرفع مستوى التنسيق بيننا واللقاء وجهاً لوجه. بالطبع كان احتمالاً قائماً أن يكون مدسوساً من المخابرات، لكنني قررت المخاطرة. وعدته في مكان عام يتيح لي الهرب لو شككت به، وما أن التقينا حتى أحسست بالاطمئنان، فقد كان فتى صغيراً واضح الصدق.
توطدت علاقتنا من خلال المشاركة في التظاهرات، ويوماً بعد يوم أصبحنا أقرب من الإخوة، كنا نتناوب العمل على إدارة غرف التنسيق على الإنترنت، ونتواصل مع الثوار ونتحرك بينهم. أصبحنا نقضي يومنا كله معاً، وذات يوم سألني أبي: لماذا تصاحب من هم أصغر منك ولا تصاحب من هم في سنك أو أكبر؟ لم أجبه. لم أقل له أن من هم في سني من طلبة الجامعة همهم السيارات والتعرف إلى صديقات، بينما أبو الزبير يتحدث عن تحرير سوريا من الطغيان والشهادة في سبيل الله.

وعندما بدأت الكتائب المسلحة في الظهور بالريف تعرفت إليهم وبدأت بالتدرب معهم، لكنني أخفيت الأمر عليه لخشيتي عليه وما أعرفه من اندفاعه. لكن سري لم يطل كتمانه لأنني أصبحت أختفي عنه، فاكتشف الأمر وسارع إلى الانخراط فيه.
لم يطل به الأمر حتى تدرب على كافة الأسلحة الموجودة بين يدي الثوار. وتلقب بأبي الزبير الشيشاني.
توقف أبو هريرة قليلاً ليريني صورته. أشار إلى جانبي رأسه حيث يبدو الشعر منحسراً وهو يقول: لم يكن كذلك دائماً، لكن أجهزة المخابرات الأسدية عندما اعتقلوه كانوا يشدونه من شعر رأسه على الطرفين حتى اقتلعوه من الجذور ولم ينبت بعدها.
ثم غير الشاشة ليريني محادثة محفوظة بين أبي الزبير وصديق مشترك لهما. كان الصديق يسأل أبا الزبير عن اسم الجبهة التي يرابط فيها، فيرفض أبو الزبير إخباره لحرصه على أمن الكتيبة. ثم يطلب أبو الزبير من صديقه أن ينصحه، فيمازحه الصديق لكنه يصر، ويطلب منه بشكل خاص أن يحدثه عن الرياء وكيف تكون النية خالصة!
دمعت عينا أبي هريرة وهو يخبرني كيف اتصل به زملاء أبي الزبير في الجبهة وأخبروه أنه أصيب إصابات قاتلة، وأنه يطلب رؤيته.
ذهبتُ إلى المستشفى ومعي أبو مصعب. سألنا عنه وعلمت من الأطباء أن شظايا قنبلة أصابت ظهره فكسرت ثلاث فقرات واستمرت منطلقة فخرجت من بطنه، وأنهم لا يملكون ما يفعلونه له.
وجدناه مسجى على ظهره وابتسم لما كلمناه. سألني وأنا أعانقه: ألم تترك الدخان بعد؟
أجبته أنني سأتركه إن شاء الله. تكلمنا معه وكان أحياناً يصيح من الألم فقال له أبو مصعب: تصبر يا أخي .. تخيل أنك قي الجنة. أغلق عينيه، وابتسم. سأله أبو مصعب: أتحس أنك في الجنة؟
أجاب بصعوبة: ليس بعد، ما زلت أشعر بشيء من الألم.
بقينا إلى جانبه حتى ما بعد الفجر حين أسلم روحه إلى بارئها مبتسماً مستبشراً ببيعه الذي بايع الله عليه، طلب الشهادة صادقاً فنالها إن شاء الله.


 

حين صمت أبو هريرة كانت الدموع تنحدر على وجهه، وعيناه مسمرتان على صورة أبي الزبير في الصفحة التي أنشأها أصحابه له.
 
قال لي بفخر: رفع أصحابنا في مصر صورته ولوحة باسمه في ميدان التحرير، لا أعلم شخصاً بعمره كان له هذا العدد من الإخوة المحبين.. رحمه الله.


الأحد، 18 نوفمبر 2012

وفي الثورة إحباط أيضاً

لن أكتب فقط عن الأشياء المبشرة والجميلة في ثورتنا.
عندي الكثير من القصص المؤلمة لكنني أحتفظ بها لما بعد النصر إن كُتِبَ لي أن أعيش لأشهده.
أشعر بالعجز والإحباط إلى أقصى درجة ..
ربما كان لسني دور مهم في هذا، فكل من حولي شباب صغار السن، منطلقون بحماسهم وعاطفتهم لتحرير بلدهم، وكلما واجهتهم مشكلة لجأوا إلى (عمو) المستشار القادم من خارج البلد لعله يملك من الحلول ما لا يستطيعون الإحاطة به.
لا يتخيل الشباب أن هذا العم الذي أبهرهم بالهياكل والخطط التي ساعد في وضعها سيكون أعجز منهم وأقل حيلة أمام البلاوي التي يشاهدونها.
بالأمس ذهب أعضاء المكتب الإغاثي إلى بستان القصر ليكلموا كتيبة من الجيش الحر اعتقلت أحد الشباب العاملين مع المكتب، وعادوا ليخبرونا أنه توفي ودُفن ليلاً.
 الأخ محمد الخالد من أحرار حمص كان يعمل مع الشباب في حلب منذ وقت طويل، وهو موضع ثقتهم جميعاً، لكن المجرمين الذين التحقوا بالجيش الحر لا يفهمون ولا يستحون. اعتقلوه بتهمة إخفاء الإغاثة وعدم توزيعها، وبدأوا بتعذيبه حتى توفي تحت التعذيب.
يسألني أحد الشباب الصغار: بماذا يختلف هؤلاء  عن مجرمي المخابرات وهم يستخدمون نفس الأساليب؟ هل يشفع لهم ما يدعونه من شك فيه؟
ولا أجد جواباً سوى أن الجريمة واحدة سواء كان المجرم من النظام أم يتسمى باسم الجيش الحر.
يعود ليسأل: فماذا نفعل إذاً؟
عجزت عن الجواب .. أأقول له خذ سلاحك وحاربهم؟
أليس هذا ما يريده النظام؟
النظام الذي زرع في جسم الجيش الحر أكثر من عشرة آلاف شبيح من أصل مائة وخمسين ألفاً كانوا مكلفين بقمع حلب كما اعترف أحد ضباط المخابرات  الذي استجوبه محام صديق يعمل كوكيل نيابة الآن.
أم أقول له: سيأتي دورهم بعد أن تتحرر البلد؟ وما يضمن له أنهم لن يقتلوه كما قتلوا صديقه بينما يحاول مساعدة المدنيين العزل؟
أنقذني من الإجابة نداء الشباب لنا لننزل إلى الملجأ بعد اقتراب القصف من الحي الذي نقيم فيه. نزلت معهم لكن تساؤلاتي مع نفسي لم تنقطع.. ما التالي؟
لم يتأخر الجواب كثيراً، فمشروع الإدارة المحلية مهدد بالتوقف بسبب التمويل. أول قطاع نريد البدء بتنظيفه ورفع القمامة التي تكاد تغمر شوارعه سوف يحتاج إلى ما يقارب المليون ليرة شهرياً، رغم أننا استطعنا بجهد جهيد توفير نصف الآليات التي نحتاجها من مختلف الألوية العاملة في القطاع.
كان المسؤول عن المشروع يوضح كل الخطوات التي اتخذها لتخفيض التكلفة قبل أن يسأل: ما الحل؟
لم أجد جواباً عندي.. فتشاغلت بأوراق بين يدي.
كانت أوراق ملف الأيتام .. أكثر من 2500 يتيم هم من وصلنا إليهم عبر معارف شخصيين أو خلال زيارات عارضة لمسؤولي الإغاثة إلى مختلف المناطق.
هذا يعني أننا إذا ما أجرينا المسح الذي نخطط له قد نصل إلى أربعة أضعاف هذا العدد ..
يا الله .. من أين نأتي بنصف مليون دولار شهرياً لكفالة هؤلاء الأيتام؟
تركت الغرفة وخرجت .. سمعت المسؤول عن المشتريات (أبو محمد) يخبر رئيسه أنه لم يجد خبزاً للعشاء. المخبز لم يعد فيه طحين، وكي يحضر الخبز سيشتريه بثلاثة أضعاف ثمنه.
كان الرئيس يقترح أن يشتريه، فالشباب يجب أن يأكلوا، وكان رد أبي محمد: نحن نملك ما نشتري به الخبز بهذا المبلغ، أما جيراننا الفقراء فلا يستطيعونه، ولا نستطيع نحن أن نطعمهم جميعاً، لذلك رأيت أن تجربوا الليلة معنى الجوع، لعلكم تستعجلون بحل مشكلة الخبز.
قمت صباحاً عازماً على الرجوع للرياض، فقد انتهت الفترة التي وعدت بها، ويبدو أنني لا أستطيع شيئاً. كلمني رئيس المجلس هاتفياً طالباً مني انتظار وصوله غداً لعقد اجتماع هام لتفعيل العمل، وأن أؤجل سفري يومين. وعدته أن أدرس الأمر ولم أعده أن أبقى.
كنت محرجاً منه وخائفاً أن أقع في إثم (التولي يوم الزحف) كما قال لي يوماً رئيس المكتب الشرعي، وفي نفس الوقت طغى علي اليأس من التغيير ووجدت المشاكل أكبر بكثير من طاقتي.
أخرجني من أفكاري صوت أبي محمد، المقاول الذي هجر عمله، رغم توفر العمل هذه الأيام في الريف الذي يعيد أهله ترميم بيوتهم بسبب الشتاء، وتفرغ لتلبية احتياجات الشباب، لأنه يريد أن (تخلص) كما يقول.
التفت إليه فطلب مني مرافقته: مشوار صغير أستاذ قبل ما تسافر، ضروري تروح تشوف هذا المنظر.
ذهبت معه، كان طوال الطريق يحدثني عن أنه لا يعرف ماذا يفعل في هذه الثورة، لذلك تفرغ لتوفير احتياجات الشباب الذين تصعب عليهم الحركة بحكم أنهم جميعاً ملاحقون من الأمن وعيونه.
وصلنا إلى أحد الأماكن التي هدمها القصف، جعلني أصور البناية التي انهارت تماماً بسبب القصف، ثم انطلق إلى مبنى تجاري لم يكتمل، وطلب مني النزول لمشاهدة الأسر التي لا تجد باباً تغلقه على نفسها، وتستر نفسها عن العيون والبرد ببطانية خلقة معلقة على حبل لا يتجاوز ارتفاعه متراً ونصف، بينما ظهر أقدامهم من تحتها وينسفها الهواء كلما هب.



قال لي أبو محمد: تعيش هنا عشرون عائلة، لا مأوى لهم سوى هذا المكان المفتوح، ولا يجدون خبز يومهم. إذا أردت أن تسافر فتذكر أنك تتركهم، والآلاف غيرهم، خلفك.
ختم أبو محمد كلامه ونحن في طريق العودة: يا أستاذ .. أنا لا أفهم ما تفعله، لكنني أرجو أن تستطيع المساعدة، أنا أساعد في ما أفهم به، وأنت عليك واجب المساعدة في ما تفهم فيه.

بقينا صامتين حتى وصلنا للمقر، أرجعت حقيبتي إلى المستودع، وطلبت من أبي محمد أن يذهب لإحضار مسؤول الإدارة المحلية كي نستكمل بناء المشروع لعل الله يوفقنا بمن يموله فينقذ آلاف الناس من أخطار القمامة المتراكمة.
تستمر الثورة، بنا أو بدوننا، لكن التخلف عن خدمتها الآن لمن يستطيع، ولو شيئاً بسيطاً، يُخشى منه أن ندخل في قوله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) كما قال لي الشيخ عبد الله، صديقي وأخي الذي أنجبته الثورة.

الأحد، 11 نوفمبر 2012

زحمة يا دنيا

كان يوماً طويلاً جداً .. كله أولويات ، انتهينا من العمل الصباحي لنجلس بعد الظهر مع  ضباط الشرطة وأعضاء المكتب الأمني لاستكمال إنشاء جهاز الشرطة في حلب، وما كدنا ننتهي حتى بدأنا استكمال ترتيبات مكتب الإغاثة ومناقشة بعض المشاكل التشغيلية، فلما انتهي العمل وجدنا أن عدد الضيوف الكبير الذين زارونا اليوم من مختلف مناطق حلب، ولم يستطيعوا المغادرة بسبب خطورة التنقل الليلي تحت القصف، قد استنفد الفرشات المخصصة للنوم، ولا يوجد لنا مكان ننام فيه.
قررنا أن ننتظر قيام الإخوة لصلاة الفجر، عل بعضهم يقرر أن يقوم يتمارين الصباح ويتوفر لنا مكان. 
لا أذكر أنني تعرضت لمثلهذا الموقف من قبل، لكنني سعيد به رغم التعب.

السبت، 10 نوفمبر 2012

من تجارب الثورة: تبقى حلب درة الصناعة العربية

التقينا اليوم بقائد أحد الألوية المقاتلة في حلب، كان الللقاء بخصوص دور المجلس الانتقالي في ضبط التجاوزات، وتفعيل جهاز الشرطة المدنية الذي بدأ المجلس بإنشائه، وضمان حقوق الناس عبر تشغيل المحاكم بالتعاون مع المحامين الأحرار ومجلس القضاء الموحد،  وبعد اختتام اللقاء عرض علينا قائد اللواء قذيفة هاون مصنعة محلياً بأيدي شباب حلب.
وأخبرنا أنه بعد تجربتها أثبتت أنها أكثر دقة في إصابة الهدف وأعلى فعالية من القذائف التي يحصلون عليها من الخارج، والتي أكد أكثر من مصدر في الجيش الحر أنها يتم التلاعب بها كي لا تعطي النتيجة الطبيعية وتؤخر تحقيق نتائج حقيقية لصالح الجيش الحر بهدف استمرار النزيف السوري لوقت أطول.

كان الجميع مندهشين من الحرفية العالية ودقة الصناعة، إضافة إلى الحيل التي مارسها الشباب في الصناعة ليتغلبوا على بدائية الأدوات وندرة المواد الخام.

بشكل شخصي، أكثر ما شد انتباهي هو القدرة الهائلة لدى شعبنا على الإبداع متى ما توفر له مناخ الحرية الملائم، وكان لديه الحافز للإنتاج، هذا الشعب الذي عمل نظام البعث طيلة خمسين سنة على تدمير قدراته، وتهجير عقوله وكفاءات، وتحويله من منارة إبداع صناعي إلى شعب مستهلك خامل غارق في التوافه، وجاءت الثورة لتوقظه وتعيد إشعال فتيل إبداعه.

اختتمنا اللقاء بصورة لصناعة بلدنا في زمن الحرب، وكلنا ثقة أن هذا الشعب العظيم سوف يصنع في السلم ما يفوقها دقة وروعة وفائدة لبلده وأمته.



الخميس، 8 نوفمبر 2012

من تجارب الثورة: التخطيط الذكي

عقليات مبدعة

في استراحة بين ورشتي عمل حدثني أحد الإخوة الناشطين في حلب عن مدير فرن حكومي في ريف حلب كان يتوقع منذ بدايات الثورة بمعرفته الوثيقة بمدى إجرام النظام أن يلجأ الأسد وعبيده إلى تجويع الناس، وهذا ما فعلوه عبر قطع إمدادت الطحين والديزل اللازمة لتشغيل الأفران، واستهداف الأفران بالقصف وقتل البسطاء الذين ينتظرون دورهم للحصول على الخبز الذي قد يكون غذاء أسرهم الوحيد في ظل انعدام مصادر الدخل.
ما لفت انتباه صاحبي أنه في الوقت الذي عانت فيه معظم البلدات والقرى في الريف، والمناطق المحررة في مدينة حلب من أزمة في الخبز، كان هذا الفرن يوفر ما يكفي لسد حاجة بلدته، ويرسل مساعدات للقرى والبلدات القريبة.
سأله صاحبنا عن السر الذي يجعله قادراً على تشغيل فرنه وسط هذه الأزمة، فحصل منه على التفاصيل البسيطة، لكنها من نوع السهل الممتنع والتي تدل على الحس الإنساني والوطني الذي يتمتع به.
رأى الرجل من البداية أنه في موقعه سيفيد الناس أكثر من الالتحاق بالجيش الحر، وتوقع ما سيفعله النظام فبدأ بتخزين كل ما يستطيع الوصول إليه من طحين وديزل منذ بداية الثورة، بل وكان يحتال على التموين بما يستطيعه من حيل لزيادة الكميات التي يحصل عليها أيام الوفرة ويخزنها بعيداً عن الفرن، حتى تجمع عنده مخزون كبير تعامل معه بذكاء كي لا يتلف أو يتعرض للقصف، وبدأ باستخدامه عندما نفذ النظام سياسته القذرة.
في الأيام التي كان النظام يقصف بها المنطقة رفض إيقاف العمل في الفرن وتوعد من يتغيب من العمال بالفصل من عمله. كانوا يرجون منه التوقف كي لا يتعرض للموت، فيجيب بأن من كُتِب عليه الموت سيلحقه ولو على فراشه. 
تعرض فرنه للقصف عدة مرات فكان يرممه ويصلحه ويعيده للعمل. وقام بإعداد كوبونات يبيعها لأهل البلدة بعيداً عن الفرن ويرسل من يوزع لهم حصصهم الكافية ليومهم حسب عدد أفراد الأسرة دون الحاجة إلى تواجدهم أمام الفرن لحمايتهم من القصف. 
ولازال حتى اليوم يوفر الخبز لأهل بلدته ثم يلتفت لتحضير كميات إضافية يرسلها للمناطق التي تضررت أفرانها أو نفد مخزونها من المواد الأساسية.

ساق صاحبي هذه القصة للتدليل على قدرة أبناء سوريا على التعامل مع المشكلات بحلول مبتكرة متى توفرت النية الصادقة والثقة، وهو ما نحتاج إليه اليوم من الكيانات المختلفة العاملة على الأرض السورية: أن تتيح للمخلصين الابتكار والعمل لخدمة بلدهم بعد أن جعلهم النظام يعيشون خدماً في أرضهم طوال سنين.

الجمعة، 12 أكتوبر 2012

مشاهدات من سوريا - اعزاز الباسلة

تقبل على اعزاز، المدينة الأقرب للحدود التركية من طريق حلب، فتستقبلك الدبابات المحترقة، والمسجد الذي قصفه النظام فهدمه .. 
تركها أهل اعزاز شاهداً على إجرام النظام.








السبت، 29 سبتمبر 2012

مشاهدات من سوريا - عبر الطريق

الصورة أبلغ من أي كلام أقوله .. كنت أحمل كاميرا تصوير فيديو صغيرة لكنني أفضل الصور الثابتة، لسهولة رفعها هنا.

محطة الوقود الأقرب إلى الحدود التركية من ناحية معبر السلامة، وقد دمرتها قوات النظام تماماً: