الأحد، 13 نوفمبر، 2011

قرار الجامعة العربية .. الحركة التصحيحية الحقيقية

كنت أتابع المؤتمر الصحفي لرئيس المجلس الوزاري والأمين العام للجامعة العربية دون كبير اهتمام بسبب ما تسرب من أنباء عن الاكتفاء بمنع الوفود السورية من المشاركة في اجتماعات الجامعة، لكن مع استكمال الشيخ حمد بن جاسم لقراءة البيان الختامي بدأ الاهتمام يتزايد، وانطلق الزملاء المحيطين بي يهللون – مستغربين – لموقف الجامعة الذي جاء حاسماً هذه المرة.
كان أول التساؤلات: لماذا تأجيل تعليق العضوية حتى 16/11 وليس من تاريخ الاجتماع؟ هل يستطيع النظام الذي ماطل شهوراً طويلة أن يلتزم بقرارات الجامعة خلال أربعة أيام؟
بالطبع كان التفسير مقنعاً بوجود اجتماع آخر في الرباط سيضم إضافة إلى الوزراء العرب وزير خارجية تركيا، وهو أمر له دلالته المهمة، لكن صديقاً لماحاً نبهني إلى توافق التاريخ مع ما يسمى الحركة التصحيحية التي انقلب بها الأسد الأب على رفاقه البعثيين وسجنهم ليتسنى له الاستفراد بحكم سورية ثلاثين عاماً.
هذا التوافق اللطيف يدعو إلى اعتبار قرار الجامعة العربية حركة تصحيحية حقيقية، تصحح مسار الجامعة التي يئست الشعوب العربية من إمكانية لعبها دوراً مهماً وحقيقياً في حياة العرب، وتساهم في تصحيح الوضع السياسي السوري عبر محاصرة نظام مجرم قام على جماجم السوريين وارتوى بدمائهم.
المفاجئ، والأكثر أهمية في القرار، لم يكن تعليق العضوية أو الدعوة إلى سحب السفراء، مع اعتبار ذلك قراراً سيادياً يخص كل دولة على حدة، بل مجموعة النقاط الأخرى التي شكلت في مجملها تحركاً عربياً فاعلاً للمرة الأولى في تاريخ الجامعة.

توفير الحماية للمدنيين
كلنا نذكر جمعة (الحماية الدولية) التي دعا المتظاهرون السوريون خلالها إلى توفير الحماية للشعب الذي يقتل يومياً على أيدي عصابات الأسد، ودعوة الجامعة إلى استخدام "المنظمات العربية المعنية" كمرحلة أولى، ثم اللجوء إلى "المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان بما فيها الأمم المتحدة" هي أفضل ما يمكن اتخاذه حالياً لحماية المدنيين، علماً بأن لجوء الجامعة العربية إلى المنظمات الدولية والأمم المتحدة يمكن أن تشمل دعوة الأمم المتحدة للتدخل حسب الفصل الثامن المتعلق بحفظ السلم والتعامل مع أعمال القمع، وهي إشارة واضحة إلى النظام السوري بإمكانية التدويل في أي لحظة، ودلالتها المهمة تأتي من ترتيبها الثاني في سياق قرار الجامعة.

مخاطبة الجيش السوري
رغم كل ما يقال عن البنية الطائفية للجيش السوري والمتمثلة في حصر القيادات العليا للجيش في أيدي ضباط من طائفة الرئيس، يبقى المكون الرئيسي للجيش من أبناء السوريين الذين يتوقع منهم أن يتوقفوا عن أعمال القمع متى وجدوا مؤشراً على توفير الحماية اللازمة لهم، وتوجيه الخطاب المباشر إلى الجيش العربي السوري لعدم التورط في أعمال العنف ضد المدنيين أوصلت الرسالة اللازمة إلى الأغلبية من أبناء هذا الجيش، كما أنها ستساهم في انشقاق الضباط من الطائفة العلوية الذين يدركون تماماً أن الثورة قامت ضد الظلم وليس ضد الطائفة، وما استمرارهم في دعم النظام إلا لحماية مصالحهم الخاصة وليس ولاء للأسد الذي استغل طائفته – كما استغل غيرها – لنهب سوريا وشعبها دون تمييز.
أهمية هذا الخطاب تكمن في إرسال إشارة واضحة إلى الضباط الفاعلين في الجيش لتغيير موقفهم وعدم الرهان على حصان خاسر، وهو ما التقطه سفير النظام لدى مصر والجامعة العربية الذي سخر في مؤتمره الصحفي من إمكانية حدوث انشقاقات في الجيش.

الاتفاق على المرحلة الانتقالية
النقطة السادسة في القرار هي أهم نقطة فيه لما يخص الثورة السورية، فهي تطلب الاجتماع مع المعارضة لا للحوار أو التفاوض، ولكن "للاتفاق على رؤية موحدة للمرحلة الانتقالية المقبلة في سورية" مما يعني أن النظام الرسمي العربي يعتبر حكم الأسد ساقطاً من الآن، ويقر بدور المعارضة في الترتيب للمرحلة الانتقالية، وهو ما أكدته نفس النقطة في الإشارة إلى الاعتراف بالمعارضة السورية، وزاد توضيحه في النقطة السابعة بدعوة المعارضة إلى الاجتماع مع المجلس الوزاري لتمثيل الشعب السوري.

تخبط النظام
ردة فعل النظام التي عبر عنها سفيره بالشتائم والسباب والمؤتمر الصحفي الهستيري، إضافة إلى مهاجمة السفارات والقنصليات عبر شبيحة النظام ومجرميه تدل على مدى الصدمة التي تعرض لها بصدور القرار، وإدراكه أنه وصل لمرحلة النهاية بعد أن استنفذ كل الألاعيب الممكنة طوال ثمانية أشهر من عمر الثورة، وهو ما يجعله الآن في أقصى درجات الخطر على المدنيين العزل، خصوصاً في المدن الأكثر التهاباً مثل حمص، مما يستدعي سرعة العمل خطط حماية المدنيين وعدم الاكتفاء بالقرار "التاريخي" الذي صدر أمس، دون إغفال وجود مجموعة من الأوراق التي يمكن أن يستغلها النظام لإثارة الفوضى في المنطقة، وعلى رأسها ورقة حزب الله.

ما المطلوب الآن؟
على المعارضة السورية أن تسارع بالانضمام إلى المجلس الوطني وتناسي الخلافات التي تميز بينها، وتأجيلها لتحسم في صناديق الاقتراع على الأرض، وعلى المجلس الوطني أن يقدم خطة واضحة للمرحلة الانتقالية في سوريا تركز على حماية حقوق كل الطوائف والإثنيات دون تفريق أو تمييز، وتتناول بوضوح مسائل العدالة الانتقالية والتعامل مع مؤيدي النظام الحالي في المرحلة اللاحقة بما يهدئ المخاوف المتداولة حالياً من اندلاع حرب أهلية بعد سقوط النظام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق