الأحد، 21 أغسطس، 2011

لأ ما قالش يا مفتري

هذه أيضاً من المقالات القديمة، عن تنكر بشار لوعوده وكذبه على الجميع، حتى لا يتوقع أحد أن يدقنا القول غداً.
أعتذر عن العنوان العامي، وهو بالمناسبة باللهجة المصرية، من مسرحية (شاهد ما شافش حاجة) حين يصرخ القاضي بالشاهد منفعلاً (لأ ما قالش يا مفتري .. ما قالش).
طبعاً القاضي هنا هو الدكتور محسن بلال، الطبيب الذي قبع في مدريد سنوات طويلة، كان يبدو أنه يمارس فيها دوراً أكبر بكثير من مجرد سفير، وعاد أخيراً إلى دمشق وزيراً للإعلام، مهمته الرئيسية التغطية على (زلات) لسان (وربما أيدي وأرجل) رئيسه الدكتور الآخر.
وإذا كان محسن بلال هو القاضي، وبشار الأسد هو المحامي الذي يتحدث لساعات دون كلل أو ملل بفصاحة نادرة بين الزعماء العرب، فيمكننا أن نتخيل رومانو برودي في دور الشاهد الذي تبدو علامات الدهشة على وجهه وهو يرى رئيس دولة ينكر تعهداته ويتناساها، بل ويطلب من أحد وزرائه أن يتولى الأمر نيابة عنه.
كثيرون احتاروا في تفسير هذه المواقف المتضاربة التي تصدر من دمشق هذه الأيام، عاصمة الأمويين الرصينة التي كانت لها دائماً الكلمة الراجحة في قضايا الأمة أصبحت اليوم ترقص على حبل مشدود بين طهران وقانا، وعزا الكثيرون هذا التضارب إلى الصراع بين أجنحة مختلفة داخل النظام السوري.
بالنسبة لي لم يكن هذا الاحتمال وارداً بأي حال من الأحوال، فالصراع في عائلات المافيا – وهذا هو حال النظام السوري اليوم – لا يخرج إلى العلن بشكل تصريحات، ولكن بشكل جثث ممزقة، سواء كانت (منتحرة) أم (منحورة).
أعتقد أن مكمن المشكلة هو في إحدى حيل التفاوض التي كثيراً ما يتبعها العاملون في التجارة، والمتمثلة في أن يلعب أحد المتفاوضين دور الرجل الطيب، بينما يلعب آخر دور الشرير بحيث يكون هناك مجال للتعنت في الطلبات، وفي الوقت نفسه مخرج يفتحه الرجل الطيب في حالة الإحساس بالوصول إلى الحد الأخير في التنازلات من الطرف الثاني.
نظام دمشق يحاول الآن القيام بالأمر نفسه، ولأن بشار الأسد طبيب عيون، ومثقف وذكي ورئيس جمهورية، ووجهه بريء (بيبي فيس) فمن الطبيعي أن يقوم هو بدور الطيب، ويقول نعم لكل ما يطرحه أنان أو برودي، وربما مستقبلاً (العزيزة كوندي) التي عبرت عن امتنانها لقوات الأمن السورية الباسلة التي (تصدت) لمحاولة الهجوم على السفارة.
أما الرجل الشرير فهو من يلقي به سوء حظه أمام الرئيس بشار بعد أن يطلق وعوده، وقد يكون محسن بلال أو الشرع أو المعلم .. لا يهم، المهم أن يتولى أحد ما إيصال الرسالة المغايرة.
ليس هناك من شك أن نظام دمشق يؤدي هذه الحيلة ببراعة منقطعة النظير، فالمواقف تختلف بين الطيب والشرير كاختلاف الليل والنهار، وليس مجرد اختلاف بسيط كما هي أحوال التجار المساكين، إلا أن هناك تفصيلا صغيراً غاب عن الدكتور بشار أثناء أداء الحيلة، وهو أن هذه الحيل لا يمكن تأديتها إلا بوجود الأطراف جميعاً (الطيب والشرير والطرف المقابل) في مكان واحد ووقت وحد، ولا يمكن للشرير أن يطلق موقفه المخالف للطيب بعد انتهاء المباحثات بيوم أو يومين.
 يا راتب الشلاح، يا عبد الله الدردري، يا أيها القريبون من الرئيس وتفهمون لغة الأعمال، دخيلكم .. فهموه معنى لعبة الطيب والشرير قبل أن يصرح بشيء يغرق البلد أكثر من ما أغرقها.

نشرت في شفاف الشرق الأوسط بتاريخ 13/09/2006 على هذا الرابط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق