الأحد، 21 أغسطس، 2011

أبو ضحكة جنان

من المقالات القديمة، نشرتها بعد الخطاب الأول، أضيفها هنا لتجتمع مع بقية ما أكتب، وبمناسبة خطاب الغد الذي سيلقيه الدجال، علماً بأن ضحكاته ستكون أقل هذه المرة خصوصاً إذا سمعنا أخباراً مفرحة عن القذافي إن شاء الله.

كانت طلة بهية دون شك.
الرئيس السوري يتوجه بأول خطاب إلى شعبه – كما أظن – منذ خطاب القسم عام 2000 حيث كانت خطاباته وأحاديثه كلها موجهة للخارج.
وصل الرئيس إلى مجلس الشعب ليستقبله الأعضاء بالتصفيق الحار وهتافات: بالروح بالدم نفديك يا بشار، بينما تجمع الآلاف بشكل (عفوي) خارج قاعة المجلس يهتفون: الله، سورية، بشار وبس.
بشار الأسد يمتلك دون شك إمكانات تحدث عالية مقارنة بالزعامات العربية، ومهارات تنظيرية ورثها عن والده الراحل الذي كان يجيد التحدث إلى كل الأطراف كأنه معهم، وينفذ ما فيه مصلحته فقط.
لن أتوقف طويلاً عند تفاصيل الخطاب فقد أشبعها الكثير من المراقبين تعليقاً، وليس من الجديد أن نقول أنه استخف بدماء شهداء درعا – وبقية المدن السورية – ووقف يلقي النكات السخيفة ويستغرق في الضحك عليها –لم يكتف بالابتسام كما يفعل السياسيون الغربيون الذين يحاول تقليدهم بتطعيم خطابه بالنكات – بل يهمني هنا التوقف عند ثلاث نقاط أرى من الضروري الانتباه لها أثناء قراءة الخطاب.

تقسيم المحافظات
خلال كلامه، أشار الرئيس السوري إلى أن محافظة درعا تعتبر محافظة (نسق أول) وفسرها بأنها من محافظات المواجهة مع العدو ولذلك تلقى اهتماماً استثنائياً.
طبعاً من يعرفون طبيعة الخدمات وواقع الحياة في درعا يدركون أنها لا تلقى أي اهتمام، وبالتالي من حقنا البحث عن معنى (النسق الأول) الذي عناه الرئيس، ولا بأس من الاستعانة بكلام اللواء رستم غزالة، المسؤول الرفيع في المخابرات العسكرية، والذي زار درعا بعد سقوط أول شهدائها واجتمع بأعيانها لتهديدهم حتى تتوقف الاحتجاجات في المحافظة.
خلال الاجتماع قال رستم غزالة بالحرف الواحد: (الرئيس يعتبر المحافظة من المحافظات الموالية، من المحافظات المتقدمة في الولاء للنظام، ... ، وهو فوجئ بما جرى وحصل).
عندما تضع التصريحين مع بعضهما، تتضح لنا الصورة بتفاصيلها الخفية على غير الأمنيين، أجهزة المخابرات تقسم المحافظات السورية إلى محافظات (موالية) وأخرى (غير موالية) ولا أدري ما المصطلح الذي يستخدمونه داخلياً لتوصيف النوع الثاني، هل هو محافظات (عدوة) مثلاً؟
المفاجأة التي واجهها الرئيس من انتفاضة درعا كانت نابعة بدرجة كبيرة من أن المحافظة تضم عدداً كبيراً من المنتمين لحزب البعث، وهناك عدد لا بأس به من قيادات الدولة ترجع أصولهم إلى المحافظة، يأتي على رأسهم نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، وهو كان يظن أن هذا التعامل كافٍ لامتصاص أي غضب قد يشعر به المواطنون في درعا، حتى لو كان بسبب اعتقال وتعذيب أطفالهم على أيدي الأمن السياسي.

البقاء للأبد
الملاحظة الثانية في خطاب الرئيس كانت في الاعتقاد الجازم لديه، والذي حرص على إيصاله للشعب بشكل واضح، بأنه باقٍ في منصبه إلى الأبد.
الرئيس لم يعترض على الهتافات التي تعالت من نواب مجلس الشعب وهي تؤكد على أنه القائد إلى الأبد، كما أنه لم يعترض على المقولة السخيفة لعضو المجلس السفيه الذي قال له: إن العالم العربي قليل عليك، ويجب أن تقود العالم.
عدم الاعتراض، والتأكيد على أنه لا يستعجل الإصلاح ولن ينفذه بناء على ضغوط خارجية، وحديثه عن السنوات العشر الماضية وكأنها أشهر معدودة، وكذلك تصريحه الواضح بتكذيب من يقول أن هناك قوى حوله تمنعه من الإصلاح، وأنه هو من يؤخر الإصلاح حتى لا يكون متسرعاً، كل ذلك يؤكد القناعة بأن الرجل يخطط للبقاء في منصب الرئاسة للأبد، وليس هذا صعباً أو غريباً على آل الأسد، فوالده قبله استفتى الشعب على بقائه رئيساً مدى الحياة، وكان له ما أراد.

مؤامرة الحرية
حين تحدث الرئيس عن ما جرى، أكد أنها مؤامرة خارجية، من دول بعيدة وأخرى قريبة وأطراف داخلية، كما أكد أن "الوعي الشعبي" أذهله.
ما الذي يريد الرئيس المحترم قوله؟
بتجميع أجزاء كلامه هذه، وذا أضفنا لها مقابلته الشهيرة التي أعلن فيها أن سورية غير جاهزة للديموقراطية، نصل إلى خلاصة مفادها أن الشعب السوري شعب متخلف يجب أن يقاد بدون رأي منه، وهو لا يفهم فإذا أبدى شيئاً من الوعي ولفظ الدعوات الطائفية التي حركتها أجهزة الأمن، فسوف يذهل الرئيس ومن حوله من هذا الوعي، وهذا الشعب الجاهل لن يطالب بحريته (وهي المطلب الوحيد الذي نادت به الجماهير من اليوم الأول) إذا لم تتدخل أطراف خارجية لتتآمر عليه وتخدعه وتجعله يعتقد أنه يستحق الحرية الآن ولا ينتظر الجيل القادم كما علمه السيد الرئيس.

أخيراً، قد يظن الرئيس الأسد أن وجهه الطفولي البريء (بيبي فيس) وابتساماته وضحكاته التي وزعها ذات اليمين وذات الشمال على أعضاء المجلس، وخطابه الفلسفي الذي بقي دون نتيجة واضحة، قد يظن أن هذا كله كاف لامتصاص غضبة الشارع، لكن الإجابة جاءت مباشرة بعد الخطاب من اللاذقية التي زفت عدداً من الشهداء يومها، ومن جميع المحافظات السورية التي انتفضت يوم جمعة الشهداء فمزقت وداست صوره.
كان رد الشعب السوري واضحاً: لن تضحك علينا بضحكاتك البريئة (يا أبو ضحكة جنان).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق