الأحد، 18 نوفمبر، 2012

وفي الثورة إحباط أيضاً

لن أكتب فقط عن الأشياء المبشرة والجميلة في ثورتنا.
عندي الكثير من القصص المؤلمة لكنني أحتفظ بها لما بعد النصر إن كُتِبَ لي أن أعيش لأشهده.
أشعر بالعجز والإحباط إلى أقصى درجة ..
ربما كان لسني دور مهم في هذا، فكل من حولي شباب صغار السن، منطلقون بحماسهم وعاطفتهم لتحرير بلدهم، وكلما واجهتهم مشكلة لجأوا إلى (عمو) المستشار القادم من خارج البلد لعله يملك من الحلول ما لا يستطيعون الإحاطة به.
لا يتخيل الشباب أن هذا العم الذي أبهرهم بالهياكل والخطط التي ساعد في وضعها سيكون أعجز منهم وأقل حيلة أمام البلاوي التي يشاهدونها.
بالأمس ذهب أعضاء المكتب الإغاثي إلى بستان القصر ليكلموا كتيبة من الجيش الحر اعتقلت أحد الشباب العاملين مع المكتب، وعادوا ليخبرونا أنه توفي ودُفن ليلاً.
 الأخ محمد الخالد من أحرار حمص كان يعمل مع الشباب في حلب منذ وقت طويل، وهو موضع ثقتهم جميعاً، لكن المجرمين الذين التحقوا بالجيش الحر لا يفهمون ولا يستحون. اعتقلوه بتهمة إخفاء الإغاثة وعدم توزيعها، وبدأوا بتعذيبه حتى توفي تحت التعذيب.
يسألني أحد الشباب الصغار: بماذا يختلف هؤلاء  عن مجرمي المخابرات وهم يستخدمون نفس الأساليب؟ هل يشفع لهم ما يدعونه من شك فيه؟
ولا أجد جواباً سوى أن الجريمة واحدة سواء كان المجرم من النظام أم يتسمى باسم الجيش الحر.
يعود ليسأل: فماذا نفعل إذاً؟
عجزت عن الجواب .. أأقول له خذ سلاحك وحاربهم؟
أليس هذا ما يريده النظام؟
النظام الذي زرع في جسم الجيش الحر أكثر من عشرة آلاف شبيح من أصل مائة وخمسين ألفاً كانوا مكلفين بقمع حلب كما اعترف أحد ضباط المخابرات  الذي استجوبه محام صديق يعمل كوكيل نيابة الآن.
أم أقول له: سيأتي دورهم بعد أن تتحرر البلد؟ وما يضمن له أنهم لن يقتلوه كما قتلوا صديقه بينما يحاول مساعدة المدنيين العزل؟
أنقذني من الإجابة نداء الشباب لنا لننزل إلى الملجأ بعد اقتراب القصف من الحي الذي نقيم فيه. نزلت معهم لكن تساؤلاتي مع نفسي لم تنقطع.. ما التالي؟
لم يتأخر الجواب كثيراً، فمشروع الإدارة المحلية مهدد بالتوقف بسبب التمويل. أول قطاع نريد البدء بتنظيفه ورفع القمامة التي تكاد تغمر شوارعه سوف يحتاج إلى ما يقارب المليون ليرة شهرياً، رغم أننا استطعنا بجهد جهيد توفير نصف الآليات التي نحتاجها من مختلف الألوية العاملة في القطاع.
كان المسؤول عن المشروع يوضح كل الخطوات التي اتخذها لتخفيض التكلفة قبل أن يسأل: ما الحل؟
لم أجد جواباً عندي.. فتشاغلت بأوراق بين يدي.
كانت أوراق ملف الأيتام .. أكثر من 2500 يتيم هم من وصلنا إليهم عبر معارف شخصيين أو خلال زيارات عارضة لمسؤولي الإغاثة إلى مختلف المناطق.
هذا يعني أننا إذا ما أجرينا المسح الذي نخطط له قد نصل إلى أربعة أضعاف هذا العدد ..
يا الله .. من أين نأتي بنصف مليون دولار شهرياً لكفالة هؤلاء الأيتام؟
تركت الغرفة وخرجت .. سمعت المسؤول عن المشتريات (أبو محمد) يخبر رئيسه أنه لم يجد خبزاً للعشاء. المخبز لم يعد فيه طحين، وكي يحضر الخبز سيشتريه بثلاثة أضعاف ثمنه.
كان الرئيس يقترح أن يشتريه، فالشباب يجب أن يأكلوا، وكان رد أبي محمد: نحن نملك ما نشتري به الخبز بهذا المبلغ، أما جيراننا الفقراء فلا يستطيعونه، ولا نستطيع نحن أن نطعمهم جميعاً، لذلك رأيت أن تجربوا الليلة معنى الجوع، لعلكم تستعجلون بحل مشكلة الخبز.
قمت صباحاً عازماً على الرجوع للرياض، فقد انتهت الفترة التي وعدت بها، ويبدو أنني لا أستطيع شيئاً. كلمني رئيس المجلس هاتفياً طالباً مني انتظار وصوله غداً لعقد اجتماع هام لتفعيل العمل، وأن أؤجل سفري يومين. وعدته أن أدرس الأمر ولم أعده أن أبقى.
كنت محرجاً منه وخائفاً أن أقع في إثم (التولي يوم الزحف) كما قال لي يوماً رئيس المكتب الشرعي، وفي نفس الوقت طغى علي اليأس من التغيير ووجدت المشاكل أكبر بكثير من طاقتي.
أخرجني من أفكاري صوت أبي محمد، المقاول الذي هجر عمله، رغم توفر العمل هذه الأيام في الريف الذي يعيد أهله ترميم بيوتهم بسبب الشتاء، وتفرغ لتلبية احتياجات الشباب، لأنه يريد أن (تخلص) كما يقول.
التفت إليه فطلب مني مرافقته: مشوار صغير أستاذ قبل ما تسافر، ضروري تروح تشوف هذا المنظر.
ذهبت معه، كان طوال الطريق يحدثني عن أنه لا يعرف ماذا يفعل في هذه الثورة، لذلك تفرغ لتوفير احتياجات الشباب الذين تصعب عليهم الحركة بحكم أنهم جميعاً ملاحقون من الأمن وعيونه.
وصلنا إلى أحد الأماكن التي هدمها القصف، جعلني أصور البناية التي انهارت تماماً بسبب القصف، ثم انطلق إلى مبنى تجاري لم يكتمل، وطلب مني النزول لمشاهدة الأسر التي لا تجد باباً تغلقه على نفسها، وتستر نفسها عن العيون والبرد ببطانية خلقة معلقة على حبل لا يتجاوز ارتفاعه متراً ونصف، بينما ظهر أقدامهم من تحتها وينسفها الهواء كلما هب.



قال لي أبو محمد: تعيش هنا عشرون عائلة، لا مأوى لهم سوى هذا المكان المفتوح، ولا يجدون خبز يومهم. إذا أردت أن تسافر فتذكر أنك تتركهم، والآلاف غيرهم، خلفك.
ختم أبو محمد كلامه ونحن في طريق العودة: يا أستاذ .. أنا لا أفهم ما تفعله، لكنني أرجو أن تستطيع المساعدة، أنا أساعد في ما أفهم به، وأنت عليك واجب المساعدة في ما تفهم فيه.

بقينا صامتين حتى وصلنا للمقر، أرجعت حقيبتي إلى المستودع، وطلبت من أبي محمد أن يذهب لإحضار مسؤول الإدارة المحلية كي نستكمل بناء المشروع لعل الله يوفقنا بمن يموله فينقذ آلاف الناس من أخطار القمامة المتراكمة.
تستمر الثورة، بنا أو بدوننا، لكن التخلف عن خدمتها الآن لمن يستطيع، ولو شيئاً بسيطاً، يُخشى منه أن ندخل في قوله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) كما قال لي الشيخ عبد الله، صديقي وأخي الذي أنجبته الثورة.

هناك تعليقان (2):

  1. ولا يهمك يا محمود
    اعمل اللي تقدر عليه وخلي الباقي على الله
    التدابير من عنده والمجهود من عندنا
    ويا سيدي افتكر انك الان عندك حاجه تقدر تحكيها لربنا لو وقفت امامه وهو اعلم العالمين
    جهز حكايات كتير تحكيها لربنا يوم تلقاه ولن تندم
    حفظك الله حبيبي

    ردحذف
  2. أخي محمود
    أتوسل إلى الله أن يخعل لكم مخرجا من حيث لا تحتسبون و هو العلي القدير
    و لا يهمك،
    أنيس

    ردحذف