السبت، 21 مايو، 2011

طمن .. طمن

هذه القصيدة كتبتها أختي (جمان عكل) ولأنها تناسب محتوى المدونة أكثر من مدونتها (الرقيقة) استأذنتها في نشرها هنا.

==> على موقع اليوتيوب؛ فيديو يعرض مشهداً من (درعا)، حيثُ قُنِصتْ أمٌّ وابنها كانا على ظهر درّاجةٍ ناريّة. الشابّ الذي يحاول إسعافهما مع رفاقه اسمه (محمود). ونسمع مَن خلف الكاميرا يهتف به كثيراً: طمّن طمّن*.. كلما علا صوت رصاص القنّاصة.


(طمّن طمّن يا محمود)..
فالسّفلة لا قلبَ لهمْ
أدري.. تدري
أنْ لا منجاةَ من القدرِ
لكن أيٌّ منّا يدري حقّاً ما القدرُ؟

(طمّن خَيّي يا محمودْ)
فرفيقكَ لا ينوي أن يرجعَ وحده
ليخبّرَ عائلتكْ: أمّكَ/أختكَ/زوجكْ
ابنكَ أو (بيّكَ) أو عمّك:
محمودٌ أخذتْهُ رصاصة!

صاحبكَ ينادي أنْ طأطئ رأسكْ
فالقنّاصةُ فوقَ السطحِ هُناكْ
والشارعُ مكشوفٌ خطِرٌ
لا شيءٌ يحجبكَ سوى
تلةُ رملٍ منخفضة..
لكنّكَ مندفعٌ بحماسةِ من يوقنُ
أنْ لا حاميَ إلا الله..
يصرخ: طمّن..طمّن
فتردّ عليهِ: (الزّلمِة حَيّ)!
..
أتُراهُ -ربيبُ الفِسقِ- رآكْ؟
ذاكَ المختبئُ وراء الجُندِ -ابنُ الطاغوتْ-
مَن يخجلُ إبليسٌ لو شُبّهَ بِهْ
أتُراهُ رآكْ؟
هل يعرفُ اِسمكْ؟
هل سمع رفيقكَ يصرخُ: طمّنْ
والآخرُ يهتفُ بالمُلقى في عَرضِ الشارعْ:
اشّاهَد خَيّْ
إذ يدري.. أنْ لا مُسعفَ في تلكَ اللحظةِ إلا مُعجزةٌ
من ربِّ الكونْ؟
أتُراه يظنّ بأنّكَ وحدكَ يا محمود
من يُلقي رُوحَهُ كي يُسعفَ نبضَ أخيهْ؟

أنّى قد يفهم
إذْ قذف بقلبهِ -ملعوناً-
يُعلن رفضَ الإنسانيّةِ صفةً لهْ
أنّى قد يشعرُ معنى تلك الصرخاتِ لطفلٍ في العاشرةِ
أو دمعَ الآباءِ المفجوعينَ المنكبّينَ على الأكفانْ
أعينهم تطفحُ دمعاً
لا يروي شيئاً من لوعةِ روحٍ
فقدتْ أغلى مَن تملك؟!
أنّى قد يفهم أنّا مِن بُعد مئات الأميالْ
نبكي معهم..
نصرخ معهم..
ندعو معهم..
والدعواتُ كألفِ رصاصة
ستمزّقُ دنياهُ وآخرتَهْ؟!
أنّى قد يفهم أنْ ليسوا (قِلّة)،
أنّ شجاعتهم غلبتْ كلّ الكثرة؟!

أنّى قدْ يفهم أنْ مهما حاولَ أن يتعذّر
لن يملكَ إحياءَ الموتى،
أو ردّ الأرواحِ ومحو عذاباتِ السنواتْ
أو جبرَ قلوبِ الآباءِ وكفَّ دموعِ الأيتامْ؟!
لن يملكَ أبداً تغييرَ التاريخِ الأسودْ
هوَ لا يملك شيئاً..
أبداً.
..
لكنّكَ تملكُ.. يا محمودْ
إذ تبصقُ في خوفِ القنّاصة قرَفاً
مختبئونَ بكلّ ِعتادٍ كي يرموكَ وأنتَ الأعزلْ
تملكُ أن تهتفَ برفيقكَ إذ يصرخُ: طمّنْ؛
(اِلزّلمِة حَيّ)..
إمّا أن أحيى معهُ
هذا الملقى في الشارعِ ينزف موتاً؛
أو أُلقى مقنوصاً قربهْ.
تُخبرنا أنّ الواحدَ مِنّا لا يعني شيئاً وحدهْ
لا يعني شيئاً إلا..
إنْ كانتْ كفّهُ حاضنةً كفَّ أخيه
مُمْسكةً نزفهْ
مُسعِفةً روحه
حالمةً معهُ بالوطنِ الواحدْ.

ترتدُّ الخضرةُ للأرضِ المطعونة غدراً
لو هتفتْ كلُّ حناجرنا في وقتٍ واحدْ:
أوعى تطمّن يا محمودْ
أوعى تطمّن، لا يا خَيّ.
____
* واطْمَأَنَّت الأَرضُ وتَطَأْمَنَتْ: انخفضت. (لسان العرب).


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق