الخميس، 30 يونيو 2011

حلب .. أول الرقص حنجلة

حلب الشهباء، مركز التجارة لبلاد الشام في العالم القديم، درة طريق الحرير الذي يربط أوروبا بالصين والهند، ثاني أقدم مدينة مأهولة في التاريخ (الحلبية يقولون أنها الأولى)، عاصمة الطرب الأصيل التي أنتجت للموسيقى العربية القدود الحلبية، أم المحاشي والكبب كما يسميها أبناؤها، عاصمة سيف الدولة، قبلة المتنبي، حبيبة أبي فراس وأبي ريشة والأميري، خرج منها آلاف العلماء والشعراء والأدباء والفنانون، والسياسيون، مدينة تسهر حتى الفجر، وتبدأ نشاطها قرب الظهر.
كان لها في الماضي صولة وجولة، ثقلها أنجح انقلابات عسكرية، وأفشل أخرى، تمردت على الأسد في الثمانينات فنالها من القمع الكثير، مع حماة وجسر الشغور.
كان السوريون منذ بداية الثورة ينادون حلب، يستنجدون نخوة أهلها التي يبدو أنها قبعت في الثلاجات بجانب مونة (مخزون وأصلها مؤونة) الجبنة والبرغل، لم تخل مدينة سورية من هتاف: وينك يا حلب وينك؟
حتى العالم الغربي يبرز على صفحات إعلامه أهمية انضمام حلب إلى صف الثورة وما تمثله من ضغط شديد على النظام.
وعندما قرر الحلبيون المشاركة، كما قال الثوار، أفردت الثورة لحلب يوماً خاصاً بها، خميس بركان حلب، واحتفى بها ثوار سوريا على الأرض، وفي الإعلام، وعلى صفحات الإنترنت.
الكل كان ينتظر ويترقب، الكل يدعو أن لا تخذلهم حلب، وتجاوب الحلبيون أخيراً، خرجوا في أماكن متفرقة من المدينة، صحيح أن الأعداد حتى الآن لا تتكافأ مع عدد السكان (حلب تمثل أكبر كثافة سكانية في المدن السورية) إلا أنها تحركت من حالة الجمود التي كانت تسيطر عليها.
هل هو بركان فعلاً؟
الظاهر أنه ليس بركاناً كما توقع من حشدوا له، وأصدق وصف له ما قاله أحد نشطاء الثوار على تويتر: شمعة أخرى تضاء في ظلام الذل المطبق على سورية.
من يعرف الحلبيين جيداً يدرك أن طبيعتهم لا تقبل الحركة السريعة التي توقعتها منهم بقية المدن، هم يركزون على تحليل الأمور، ووزنها، ومناقشتها، وإشباعها كلاماً ونقاشاً، مع الخلاف الشديد في الآراء، وإذا كانت المجازر التي أقامها النظام في درعا، وحمص وتلكلخ وجسر الشغور والحصار العسكري الذي فرضه على هذه المناطق وغيرها لم تحرك الحلبيين بالشكل الكافي، فلن يتحركوا لمجرد أن نشطاء الثورة دعوا إلى خميس بركان حلب.
شعب حلب يعشق الرقص، وهم حين يرقصون يبدؤون بإيقاع بطيء جداً على الطبل، ويتحرك أحدهم بخطوات موزونة وبطيئة، فيما يعرف بالتقسيم، وتزداد الحركة سرعة على مدى السهرة، لينتقلوا بعدها إلى الدبكة، الرقصة الجماعية الصاخبة التي تهز الأرض.
اليوم وأنا أشاهد الحلبية في أماكن متفرقة من المدينة يتجمعون في مجموعات صغيرة، ويفشلون (حتى لحظة كتابة هذه الكلمات) في الوصول إلى الساحة الرئيسية – ساحة سعد الله الجابري – تذكرت المثل المشهور (في حلب وغيرها): أول الرقص حنجلة.
اليوم بدأت حلب بالحنجلة، وأتوقع أن تزداد غداً الجمعة مع بقية مدن سورية، لكنني أقول للحلبية: سورية، بل العالم كله، ينتظر الدبكة التي تهز الأرض تحت أقدام الطغاة.
أطربينا يا حلب.


لك يقبروني الحماصنة

خلص.. طلعت حلب، نزلت ، اش ما عملت .. أنا بدي أندفن بحمص جنب سيدي خالد
يقبروني الحماصنة ما خلو شي في الدنيا إلا عملو بهالساقط
حووومص يا حبيبتي


الأربعاء، 29 يونيو 2011

إلى الشهباء - التي كانت

مع الحديث عن انتفاضة مرتقبة للشهباء، تمسح عار تخلفها عن ركب المدن السورية المنتفضة في وجه الظلم، رجعت لأوراقي القديمة، وعدت أدندن بهذه الأغنية التي كتبتها شوقاً للشهباء قبل عقدين من الزمان،، لعل الشهباء تعود ملاذاً للشهامة كما كانت دائماً.
سورية كلها تنتظر، لا تخجلينا يا حلب .. لا تخجلينا.. الله لا يخجلنا.
آتٍ  إليكِ بخوفه ومناه يلقى فيك أمنه
صبٌّ يعذبه التغرب كنت يا شهباء حصنه
لو زُلزِلتْ كلُّ الدُّنا فزعا  فأنت المطمئنه
 
قد كان يخشاه الردى مَلَكَ الأسنّة و الأعنّه
أمضى اللياليَ في الحروب و ما استراح ليوم هدنه
و الآن جاء مضعضعاً  متهدماً  من ألف محنه
متململا  من غربة نهلت بها دمه الأسنّه
 
كم ظن خيرا  بالدنا فاغتالت الأقدار ظنّه
و القلب لولا بعده ما أنّ يا شهباء أنّه
آت إليك من الشقاء و أنت يا شهباء جَنَّه
 
بالشوق يخنق  قلبه و العقل قد غشيته جُنَّه
 
صاد  يلوعه الهوى فلترسلي بالوصل مزنه
إن يشك غربته غريب بالقريض لكنت لحنه
مدي يديك لتمسحي عن صبك الملتاع حزنه
مدي يديك فمن يديك الموت لو تدرين مِنَّه

الثلاثاء، 21 يونيو 2011

هل الإصلاحات كافية؟

أرسل أحد الأصدقاء رسالة إلكترونية يشجعنا فيها على التصويت في موقع بي بي سي العربي الذي يسأل: هل الإصلاحات التي تمت حتى الآن كافية؟
كانت الأصوات في الموقع لصالح (نعم) .. هي نفسها (نعم) التي كانت تكتب بالدماء في استفتاءات الأسدين: الوالد والولد، لا فرق إن كانت في صناديق استفتاءات مزيفة أم على موقع إلكتروني.
بالنسبة لي، أقف موقفاً شخصياً ضد كل هذه الاستفتاءات الإلكترونية، بسبب تجربة حصلت أمامي حين صمم أحد الزملاء المبرمجين برنامجاً صغيراً على حاسبه، وتركه موصولاً على الإنترنت طول الليل ليقلب نتيجة أحد الاستفتاءات في الاتجاه الذي يريده. المسألة –كما شرح لي- بسيطة وليست معقدة، يكفي أن تعرف (الكوكيز) ومعذرة لأني لا أعرف مسماها العربي، التي يضعها الموقع على جهازك عندما تصوت، فتمسحها وتصوت من جديد.
من ذلك الوقت –أكثر من عشر سنوات – توقفت عن التصويت في هذه الاستفتاءات، سواء كان الموضوع الاحتجاج على حاكم، أو السماح بالحجاب في فرنسا، أو بناء مسجد في أستراليا أو حتى الاعتراض على سب النبي.
المسألة أعقد بكثير من ضغطة زر على شاشة موقع افتراضي، لنجيب على سؤال افتراضي لا يغير شيئاً من الواقع اليومي.
الجواب الحقيقي على إصلاحات بشار كان من الشعب، من القوة الحقيقية الوحيدة التي تملك الجواب: ارحل ارحل يا كذاب .. تضرب إنت وها الخطاب.

باختصار، كما قال أحد مغردي التويتر أمس بعد الخطاب مباشرة: الجواب ما تراه لا ما تسمعه.

الاثنين، 20 يونيو 2011

الخطاب غير المنتظر

هذه المرة لم يكن الشعب السوري ينتظر خطاب الرئيس (المخلوع قريباً) ..
شاهدناه جميعاً لكن لم نكن ننتظره. لم يعول أحد منا أي آمال على خطاب شخص جاء للرئاسة بتزوير إرادة الشعب، وتعديل دستور دولة عريقة كسورية ليتم تفصيله على مقاسه، ثم أرسل جيش الوطن يقتل أبناء الوطن، وأطلق يد أجهزته الأمنية تقتل وتمثل بجثث المعترضين سلمياً على حكمه.
منذ الإعلان عن الخطاب كانت التوقعات لدى الشعب السوري معروفة: لن يقول جديداً.
الحقيقة أننا يجب أن نشيد بكاتب الخطاب، فهو نجح في إتاحة الفرصة للرئيس الذي يحب الحديث أن يتحدث لحوالي الساعة دون أن يقول شيئاً.
من كان ينتظر الخطاب؟
تركيا كانت تنتظره دون شك، فالتسريبات عن نصائح تركية وفرصة أخيرة للنظام السوري كانت كثيرة في الأسبوع المنصرم، وقد نجح الأسد ببراعة فائقة في إفساد كل التوقعات التركية عن تجاوب مع مساعي أردوغان.
يبدو أن على تركيا اليوم أن تواجه قدرها مع الأكراد دونما اعتماد على قمع الأكراد السوريين عن طريق نظامنا الفاشي.
اليوم أثبت بشار فشله في قراءة الواقع، فضلاً عن قراءة المستقبل، أثبت أنه لا يفهم إلا لغة واحدة هي لغة العنف والدم. لا يمكن لعاقل أن يتخيل غياب رأس السلطة عن مخاطبة شعبه كل هذه المدة في ظروف لم تواجهها البلاد خلال تاريخها الحديث بأكمله، ثم يعود ليكرر وعوداً أطلقتها مستشارته السياسية قبل أشهر وعند اندلاع الثورة الخجولة.
واضح أن الرئيس المرتعب (كما بدا على قسمات وجهه والتلعثم الذي شاب خطابه) لم يشاهد صوره تداس بالأقدام، رأس تمثال أبيه تتراكله أحذية الشعب الذي أعلن بشكل قاطع إرادته: إسقاط النظام.
لا زال الأسد يعول على حاجة الصهاينة إليه لحماية حدود فلسطين الشمالية من أي مسعى تحرري حقيقي، وهو يستغل هذه الحاجة التي ترجمها الأمريكان بشكل ضغوط واضحة على الدول المؤثرة في الوضع السوري لمنع تعاطفها مع مطالب الشعب المشروعة، بل وحتى في تعطيل أي إدانة (تافهة) تصدر عن مجلس الكذب المسمى زوراً بالجامعة العربية.
خطاب اليوم أكد وقوف الأسد ضد شعبه، وهي وقفة سيندم عليها قريباً جداً، إذ أن من يحمونه اليوم ويحاولون مساعدته على الاستمرار سينقلبون ضده فور تصاعد التظاهرات، وهو المتوقع خلال الأيام القليلة القادمة.
القرار اليوم بيد الشعب السوري، وهو الشعب البطل الصامد الذي أعلن مباشرة من حمص: ارحل عنا يا كذاب، مردود عليك الخطاب.