الثلاثاء، 7 فبراير 2017

ماذا بعد حلب؟

كتبتها في ديسمبر، وقت انسحاب الثوار من حلب، وأضعها هنا للأرشيف.. فلا جدوى من الكلام.


ماذا بعد حلب؟

كعادتنا بعد كل مصيبة، سينبري المحللون للكتابة عن أسباب سقوط حلب، والشعراء لتدبيج المراثي، وعلماء الدين لاستخلاص العبر والدروس المستفادة .. لكن السوريين المؤيدين للثورة لن تعنيهم كل هذه الكلمات، فهم إما يعيشون الرعب في ما تبقى من حلب الشرقية، أو ينتظرون مصير إخوتهم الحلبيين عندما يتفرغ لهم نظام بشار وحلفاؤه.
الواقع يقول أن الجزء المحرر من حلب لم يسقط في يد النظام اليوم، بل سقط قبل أكثر من شهر عندما تحول أكثر من نصف ما سمي (جيش فتح حلب) للمشاركة في عمليات درع الفرات التي تقودها تركيا في الريف الشمالي. وقتها اكتفى الجيش بفتح ممر صغير لإدخال المساعدات، وتصوير المحيسني في أطلال الجامع الكبير، وعاد إلى مرحلة الشتات التي تميز الثورة السورية منذ يومها الأول. بل قد لا تكون مبالغة أن يقال أن حلب قد سقطت في الأسبوع التالي لفشل انقلاب تركيا الذي جعل أردوغان وحزبه يعيدون حساباتهم وينحازون إلى مصالحهم تحت إلحاح غريزة البقاء.
سوف نسمع في الأيام القادمة شتماً لأطراف كثيرة، وسوف نشهد تبادلاً للاتهامات بين رفاق الأمس، سواء في المعارضة السياسية أو العسكرية، عدا عن الاتهامات بين الجناحين العسكري والسياسي التي كانت أبرز سمات (الحوار) بينهما.
والحقيقة أنه لن يهمنا اليوم معرفة ما إذا كان سقوط حلب هو نتيجة لعدم توحد الفصائل، أم لقلة الدعم العسكري من ما يسمى بأصدقاء سورية، أم بسبب الولاء المطلق الذي أبداه حلفاء الأسد في دعمهم غير المحدود له، مقابل تخاذل المعسكر الآخر. كل هذا لا يهم الآن، فحتى لو اتفق المتكئون على أرائكهم على سبب واحد للمصيبة، فلن يغير ذلك شيئاً من تعاطي ما تبقى من الثوار مع الواقع لأن الخلافات بينهم أعمق وأكبر من إحساس الخطر، والمثال الحي في حلب أكبر دليل على ذلك.
قد يكون من الأجدى الالتفات إلى قراءة المؤشرات التي سبقت السقوط، والتي كانت واضحة لمن يرغب في قراءتها، لعل فهمنا لهذه المؤشرات يساعد في قراءة الخطوات التالية لحلب، والتي لن تكون أقل إيلاماً وتأثيراً على مسار الثورة السورية من سقوط حلب.
المكانة الرمزية لحلب
منذ دخول فصائل الريف إلى حلب عام 2012 أصبحت أكبر مدن سورية تمثل رمزاً مهماً لانتصار الثورة، فالمدينة التي تأخر دخولها في قائمة المدن الملتهبة ضد النظام – بسبب الوجود الأمني الكثيف بالدرجة الأولى – تحولت فجأة إلى أكبر مساحة محررة في سورية، مع معابر حدودية تكفل حرية نسبية في الانتقال والحصول على الإمدادات عبر تركيا، بل شهدت المدينة انتخابات مجالس محلية، واستعدادات من فصائل الثوار لتولي دور الحكومة التي ظن الجميع وقتها أنها في طريقها للسقوط.
هذه المكانة التي احتلتها حلب في الثورة عززت دورها كحاضرة اقتصادية، وأكبر مدينة من ناحية عدد السكان، وجعلت المفاوضين السياسيين – ومن يدعمهم من دول – يتمسكون بشرط تنحي الأسد في أي مفاوضات تجري، وكانت كل محاولات النظام وحلفائه للتقدم فيها تجابه بفتح جبهات أخرى سواء في الساحل أو الغوطة، أو درعا لتخفيف الضغط عن المدينة التي بقيت الورقة الأهم في عملية التفاوض.
تغير مواقع اللاعبين
كانت روسيا تدعم الأسد عبر الغطاء السياسي في مجلس الأمن، والإمدادات العسكرية، والمستشارين الذين خطوا له أهم التحركات العسكرية، بينما استخدمت المليشيات الشيعية على اختلاف انتماءاتها (إيرانية، لبنانية، عراقية، أفغانية .. إلخ) لتعزيز القوة البرية وتعويض النقص الهائل في عدد الجيش النظامي الذي شهد انشقاقات وهروب وانعدام الثقة.
لكن استمرار الدعم عن بعد، وتفلت الأوراق من الروس كان يوحي بخطر كبير، ليس مثاره الحرص على بقاء الأسد في السلطة، لكنه الحرص على وجود حكومة انتقالية تكفل الوصول إلى كيان سياسي جديد يضمن للروس امتيازاتهم في سورية، وتتعهد لهم، ولحلفائهم الإيرانيين، بسداد فاتورة الدعم التي بلغت مستويات قياسية سترهن البلد بكاملها لهم لعقود طويلة.
لذلك تدخلت روسيا عسكرياً بشكل واضح، مستغلة الضعف الأمريكي الذي جربته في القرم، والتشتت العربي الذي بلغ مستوى قياسياً منع الدول العربية من الاتفاق على موقف واحد، مهما كان تافهاً وشكلياً كإدانة جرائم النظام.
وإذا كان موقف الحلف الداعم للأسد واضحاً من جهة الأغراض والوسائل، فإن اللاعبين المؤثرين في القضية السورية من الطرف الآخر لم يكن عندهم نفس الوضوح والالتزام، مما جعل الكفة تميل بشكل كبير لصالح الروس.
الموقف الأمريكي
يبدو الحديث عن ضعف إدارة الرئيس الأمريكي الحالي وعدم قدرتها على اتخاذ قرار حاسم موضوعاً سخيفاً عندما نقرأ الموقف من زاوية المصالح الأمريكية التي تعمل من أجلها معظم المؤسسات، مع استبعاد نظرية المؤامرة والعمل لتحقيق الأجندة الصهيونية المتمثلة في تدمير سورية.
أثبتت الإدارات الأمريكية المتعاقبة خلال العشرين سنة الماضية أن من مصلحتها اختلاق المشاكل وتغذيتها في المنطقة، سواء عبر (التغاضي) عن بعض الأنشطة لجماعات مثل القاعدة، ومن بعدها داعش، أو حتى بدعمها بأشكال مختلفة ليس أقلها نجاة هذه التنظيمات من قصف التحالف الذي تقوده أمريكا بينما تقع الإصابات في صفوف من تسميهم أمريكا (المعتدلين)، ولن يكون أكثر أشكال هذا الدعم وضوحاً الإيعاز لحلفائها في الموصل بالانسحاب وتسليم المدينة ومستودعات الأسلحة والذخائر والسيارات إلى داعش لتنقلها إلى سورية.
الموقف الأمريكي يمكن اختصاره بأن وجود جماعات إرهابية بلباس إسلامي يحقق فوائد جمة لهم، بدءاً من تجميع المتحمسين لهذا الفكر من العالم في بؤرة واحدة، مروراً باستمرار وجود (فزاعة) تتيح التصرف خارج قيود الدستور الأمريكي بحجة حالة الحرب التي تشنها هذه التنظيمات، وصولاً إلى مبيعات الأسلحة وعقود الشركات التي تتولى إعادة الإعمار بعد كل مرحلة تخريب.
يضاف إلى ذلك أن هذه التنظيمات المخترقة منذ بدايتها يسهل توجيهها إلى الحكومات المحلية لإشغالها بمشاكل داخلية تمنعها من تحقيق تنمية فعلية تؤدي إلى تحولها إلى قوة اقتصادية مؤثرة، رغم الإمكانات الهائلة التي توجد في المنطقة سواء كانت بشرية أم مادية.
الموقف التركي
رغم ما أبدته تركيا من دعم كبير سواء على مستوى احتضان اللاجئين أم من ناحية فتح الحدود والغطاء السياسي المقدم للمعارضة، إلا أنها تحركت دائماً بحذر في نطاق المسموح به من الدول الغربية المؤثرة.
وعندما تحمس أردوغان (وليس الحكومة التركية أو حزب العدالة والتنمية) للعب دور أكبر، جاءت محاولة الانقلاب ليس للإطاحة به، بل لتنبيهه إلى خطورة اللعبة التي يلعبها. ويبدو من أخبار كثيرة متقاطعة أن العملية الانقلابية كانت مكشوفة لاستخبارات متعددة، ومدعومة من دول محسوبة ضمن الحلف المعادي للأسد، بينما قام الروس بتحذير أردوغان منها وتقربوا منه بإبلاغه بتفاصيلها سلفاً، وقد استغل المحاولة على أكمل وجه بتصفية كل أشكال المعارضة له، وتمرير التعديلات الخاصة بالنظام الرئاسي، مع انفتاح كبير على روسيا التي استغلت الدعم الأمريكي للأكراد وما يتم تسويقه في الإعلام عن خطط للتقسيم، وأقنعت أردوغان بضرورة الاتفاق على استراتيجية موحدة في سورية، كان من نتيجتها إفشال سيطرة الأكراد على الشريط الحدودي الشمالي كاملاً، ودفع داعش باتجاه الجنوب، مع تسليم حلب للنظام لإضعاف الموقف التفاوضي للثورة والموافقة على حل انتقالي يضمن لروسيا وتركيا مصالحهما في سورية.
وإذا كان الأتراك يحاولون إخفاء هذه الحقيقة تحت ستار التصريحات الرنانة التي يظهر ما يناقضها في اليوم التالي، يبدو أن الروس حريصون على نشر الصورة لتعزيز موقفهم، ففي تقرير نشرته (روسيا اليوم) بعنوان: هل يمكن التوصل إلى حل تفاوضي لقضية حلب في آخر لحظة؟ انتقدت الوكالة الروسية التي تتحدث بلسان الكرملين دعوات فرنسا وقطر والسعودية لاجتماعات أممية لمناقشة قضية حلب (نظرا لانهيار دفاعات المعارضة السورية في حلب بشكل شبه كامل) لكنها تركت الباب مفتوحاً أمام المشاورات الروسية التركية (نظرا لوجود اتفاقات مبدئية بين رئيسي البلدين حول ضرورة تسوية أزمة حلب، واستمرار الاتصالات الكثيفة بين الطرفين بما في ذلك على مستوى الرئيسين) حسب نص التقرير.
هل انتهت الثورة؟
سؤال يتردد كثيراً في ظل محاصرة ثوار الغوطة واقتتالهم المستمر، وتصفية قيادات الثوار في حوران المعارضين لتجميد الجبهة الجنوبية بسيطرة غرفة العمليات المشتركة، وأخيراً بسقوط حلب!
لا يمكن الإجابة على هذا السؤال ببساطة، ويكفي أن يقرأ المهتم تاريخ الثورة الفرنسية ليدرك أن الحراك الثوري الحقيقي لا يظهر فجأة، وإذا انتصر لظروف ما فسيكون انتصاراً ناقصاً يحمل داخله بذور نهايته.
الجيل الذي ثار على حكم آل الأسد بعد خمسين عاماً من الديكتاتورية والظلم لن يعود لحظيرة الطاعة مهما حصل، والقيادات الثورية التي تشربت الممارسات الديكتاتورية فأعادت ممارستها بلباس مختلف لن تبقى طويلاً، بل سيستمر الحراك وستغذيه الجرائم التي يرتكبها النظام وحلفاؤه اليوم بغباء دون أن يدركوا أن الوقائع على الأرض قد اختلفت.

ماذا بعد حلب إذن؟
قد يتظاهر النظام وحلفاؤه بالتوجه إلى تدمر لمحاربة داعش، وقد تنتهي المواجهة بانسحاب داعشي كما في المرة الأولى، لكن الوجهة الحقيقية ستكون إدلب.
لم تظهر إدلب كثيراً في الأضواء بحكم وجودها قريبة من حلب التي تفوقها في الحجم، لكن أهمية إدلب تكمن في كونها المحافظة الوحيدة التي تحررت بشكل شبه كامل، وكانت مدينتها الرئيسية تحت سيطرة الثوار منذ دخولهم إياها في الربع الأول من عام 2015، ما يجعلها حالياً في بؤرة الخطر لكونها تمثل المدينة الأكبر تحت سيطرة الثوار، ولأن النظام – بتواطؤ من الأمم المتحدة – قام بتجميع ثوار المناطق الأخرى فيها، بدءاً من القصير وانتهاء بمضايا مما يوحي بالخطيط لمذبحة مروعة لن يكون من الصعب على النظام القيام بها بعد قطع الطريق مع حلب، وسهولة إقفال المعابر الحدودية مع تركيا لقربها من جبال العلويين معقل القوة الحقيقية للنظام.
قد تكون مصيبة حلب كبيرة، لكن إغفال الخطورة الكبيرة التي تحيق بإدلب، والانشغال بالانتصارات الكرتونية التي يحققها درع الفرات في الريف الشمالي لحلب قد تؤدي إلى مصيبة أكبر وأفدح إذ يعني سقوط إدلب إعادة السيطرة الكاملة لجيش النظام وحلفائه على سورية، عدا البؤر التي تم تخصيصها لداعش لاستمرار القصف والتواجد العسكري للميليشيات الشيعية.
مرة أخرى .. ماذا بعد حلب؟
إن استمرت حالة الذهول واللامبالاة التي يعيشها العرب اليوم، فسيكون بعد حلب رفع رايات بني ساسان الجدد على عواصم عربية كثيرة، لن تكون صنعاء آخرها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق