الثلاثاء، 7 فبراير 2017

ماذا بعد حلب؟

كتبتها في ديسمبر، وقت انسحاب الثوار من حلب، وأضعها هنا للأرشيف.. فلا جدوى من الكلام.


ماذا بعد حلب؟

كعادتنا بعد كل مصيبة، سينبري المحللون للكتابة عن أسباب سقوط حلب، والشعراء لتدبيج المراثي، وعلماء الدين لاستخلاص العبر والدروس المستفادة .. لكن السوريين المؤيدين للثورة لن تعنيهم كل هذه الكلمات، فهم إما يعيشون الرعب في ما تبقى من حلب الشرقية، أو ينتظرون مصير إخوتهم الحلبيين عندما يتفرغ لهم نظام بشار وحلفاؤه.
الواقع يقول أن الجزء المحرر من حلب لم يسقط في يد النظام اليوم، بل سقط قبل أكثر من شهر عندما تحول أكثر من نصف ما سمي (جيش فتح حلب) للمشاركة في عمليات درع الفرات التي تقودها تركيا في الريف الشمالي. وقتها اكتفى الجيش بفتح ممر صغير لإدخال المساعدات، وتصوير المحيسني في أطلال الجامع الكبير، وعاد إلى مرحلة الشتات التي تميز الثورة السورية منذ يومها الأول. بل قد لا تكون مبالغة أن يقال أن حلب قد سقطت في الأسبوع التالي لفشل انقلاب تركيا الذي جعل أردوغان وحزبه يعيدون حساباتهم وينحازون إلى مصالحهم تحت إلحاح غريزة البقاء.
سوف نسمع في الأيام القادمة شتماً لأطراف كثيرة، وسوف نشهد تبادلاً للاتهامات بين رفاق الأمس، سواء في المعارضة السياسية أو العسكرية، عدا عن الاتهامات بين الجناحين العسكري والسياسي التي كانت أبرز سمات (الحوار) بينهما.
والحقيقة أنه لن يهمنا اليوم معرفة ما إذا كان سقوط حلب هو نتيجة لعدم توحد الفصائل، أم لقلة الدعم العسكري من ما يسمى بأصدقاء سورية، أم بسبب الولاء المطلق الذي أبداه حلفاء الأسد في دعمهم غير المحدود له، مقابل تخاذل المعسكر الآخر. كل هذا لا يهم الآن، فحتى لو اتفق المتكئون على أرائكهم على سبب واحد للمصيبة، فلن يغير ذلك شيئاً من تعاطي ما تبقى من الثوار مع الواقع لأن الخلافات بينهم أعمق وأكبر من إحساس الخطر، والمثال الحي في حلب أكبر دليل على ذلك.
قد يكون من الأجدى الالتفات إلى قراءة المؤشرات التي سبقت السقوط، والتي كانت واضحة لمن يرغب في قراءتها، لعل فهمنا لهذه المؤشرات يساعد في قراءة الخطوات التالية لحلب، والتي لن تكون أقل إيلاماً وتأثيراً على مسار الثورة السورية من سقوط حلب.
المكانة الرمزية لحلب
منذ دخول فصائل الريف إلى حلب عام 2012 أصبحت أكبر مدن سورية تمثل رمزاً مهماً لانتصار الثورة، فالمدينة التي تأخر دخولها في قائمة المدن الملتهبة ضد النظام – بسبب الوجود الأمني الكثيف بالدرجة الأولى – تحولت فجأة إلى أكبر مساحة محررة في سورية، مع معابر حدودية تكفل حرية نسبية في الانتقال والحصول على الإمدادات عبر تركيا، بل شهدت المدينة انتخابات مجالس محلية، واستعدادات من فصائل الثوار لتولي دور الحكومة التي ظن الجميع وقتها أنها في طريقها للسقوط.
هذه المكانة التي احتلتها حلب في الثورة عززت دورها كحاضرة اقتصادية، وأكبر مدينة من ناحية عدد السكان، وجعلت المفاوضين السياسيين – ومن يدعمهم من دول – يتمسكون بشرط تنحي الأسد في أي مفاوضات تجري، وكانت كل محاولات النظام وحلفائه للتقدم فيها تجابه بفتح جبهات أخرى سواء في الساحل أو الغوطة، أو درعا لتخفيف الضغط عن المدينة التي بقيت الورقة الأهم في عملية التفاوض.
تغير مواقع اللاعبين
كانت روسيا تدعم الأسد عبر الغطاء السياسي في مجلس الأمن، والإمدادات العسكرية، والمستشارين الذين خطوا له أهم التحركات العسكرية، بينما استخدمت المليشيات الشيعية على اختلاف انتماءاتها (إيرانية، لبنانية، عراقية، أفغانية .. إلخ) لتعزيز القوة البرية وتعويض النقص الهائل في عدد الجيش النظامي الذي شهد انشقاقات وهروب وانعدام الثقة.
لكن استمرار الدعم عن بعد، وتفلت الأوراق من الروس كان يوحي بخطر كبير، ليس مثاره الحرص على بقاء الأسد في السلطة، لكنه الحرص على وجود حكومة انتقالية تكفل الوصول إلى كيان سياسي جديد يضمن للروس امتيازاتهم في سورية، وتتعهد لهم، ولحلفائهم الإيرانيين، بسداد فاتورة الدعم التي بلغت مستويات قياسية سترهن البلد بكاملها لهم لعقود طويلة.
لذلك تدخلت روسيا عسكرياً بشكل واضح، مستغلة الضعف الأمريكي الذي جربته في القرم، والتشتت العربي الذي بلغ مستوى قياسياً منع الدول العربية من الاتفاق على موقف واحد، مهما كان تافهاً وشكلياً كإدانة جرائم النظام.
وإذا كان موقف الحلف الداعم للأسد واضحاً من جهة الأغراض والوسائل، فإن اللاعبين المؤثرين في القضية السورية من الطرف الآخر لم يكن عندهم نفس الوضوح والالتزام، مما جعل الكفة تميل بشكل كبير لصالح الروس.
الموقف الأمريكي
يبدو الحديث عن ضعف إدارة الرئيس الأمريكي الحالي وعدم قدرتها على اتخاذ قرار حاسم موضوعاً سخيفاً عندما نقرأ الموقف من زاوية المصالح الأمريكية التي تعمل من أجلها معظم المؤسسات، مع استبعاد نظرية المؤامرة والعمل لتحقيق الأجندة الصهيونية المتمثلة في تدمير سورية.
أثبتت الإدارات الأمريكية المتعاقبة خلال العشرين سنة الماضية أن من مصلحتها اختلاق المشاكل وتغذيتها في المنطقة، سواء عبر (التغاضي) عن بعض الأنشطة لجماعات مثل القاعدة، ومن بعدها داعش، أو حتى بدعمها بأشكال مختلفة ليس أقلها نجاة هذه التنظيمات من قصف التحالف الذي تقوده أمريكا بينما تقع الإصابات في صفوف من تسميهم أمريكا (المعتدلين)، ولن يكون أكثر أشكال هذا الدعم وضوحاً الإيعاز لحلفائها في الموصل بالانسحاب وتسليم المدينة ومستودعات الأسلحة والذخائر والسيارات إلى داعش لتنقلها إلى سورية.
الموقف الأمريكي يمكن اختصاره بأن وجود جماعات إرهابية بلباس إسلامي يحقق فوائد جمة لهم، بدءاً من تجميع المتحمسين لهذا الفكر من العالم في بؤرة واحدة، مروراً باستمرار وجود (فزاعة) تتيح التصرف خارج قيود الدستور الأمريكي بحجة حالة الحرب التي تشنها هذه التنظيمات، وصولاً إلى مبيعات الأسلحة وعقود الشركات التي تتولى إعادة الإعمار بعد كل مرحلة تخريب.
يضاف إلى ذلك أن هذه التنظيمات المخترقة منذ بدايتها يسهل توجيهها إلى الحكومات المحلية لإشغالها بمشاكل داخلية تمنعها من تحقيق تنمية فعلية تؤدي إلى تحولها إلى قوة اقتصادية مؤثرة، رغم الإمكانات الهائلة التي توجد في المنطقة سواء كانت بشرية أم مادية.
الموقف التركي
رغم ما أبدته تركيا من دعم كبير سواء على مستوى احتضان اللاجئين أم من ناحية فتح الحدود والغطاء السياسي المقدم للمعارضة، إلا أنها تحركت دائماً بحذر في نطاق المسموح به من الدول الغربية المؤثرة.
وعندما تحمس أردوغان (وليس الحكومة التركية أو حزب العدالة والتنمية) للعب دور أكبر، جاءت محاولة الانقلاب ليس للإطاحة به، بل لتنبيهه إلى خطورة اللعبة التي يلعبها. ويبدو من أخبار كثيرة متقاطعة أن العملية الانقلابية كانت مكشوفة لاستخبارات متعددة، ومدعومة من دول محسوبة ضمن الحلف المعادي للأسد، بينما قام الروس بتحذير أردوغان منها وتقربوا منه بإبلاغه بتفاصيلها سلفاً، وقد استغل المحاولة على أكمل وجه بتصفية كل أشكال المعارضة له، وتمرير التعديلات الخاصة بالنظام الرئاسي، مع انفتاح كبير على روسيا التي استغلت الدعم الأمريكي للأكراد وما يتم تسويقه في الإعلام عن خطط للتقسيم، وأقنعت أردوغان بضرورة الاتفاق على استراتيجية موحدة في سورية، كان من نتيجتها إفشال سيطرة الأكراد على الشريط الحدودي الشمالي كاملاً، ودفع داعش باتجاه الجنوب، مع تسليم حلب للنظام لإضعاف الموقف التفاوضي للثورة والموافقة على حل انتقالي يضمن لروسيا وتركيا مصالحهما في سورية.
وإذا كان الأتراك يحاولون إخفاء هذه الحقيقة تحت ستار التصريحات الرنانة التي يظهر ما يناقضها في اليوم التالي، يبدو أن الروس حريصون على نشر الصورة لتعزيز موقفهم، ففي تقرير نشرته (روسيا اليوم) بعنوان: هل يمكن التوصل إلى حل تفاوضي لقضية حلب في آخر لحظة؟ انتقدت الوكالة الروسية التي تتحدث بلسان الكرملين دعوات فرنسا وقطر والسعودية لاجتماعات أممية لمناقشة قضية حلب (نظرا لانهيار دفاعات المعارضة السورية في حلب بشكل شبه كامل) لكنها تركت الباب مفتوحاً أمام المشاورات الروسية التركية (نظرا لوجود اتفاقات مبدئية بين رئيسي البلدين حول ضرورة تسوية أزمة حلب، واستمرار الاتصالات الكثيفة بين الطرفين بما في ذلك على مستوى الرئيسين) حسب نص التقرير.
هل انتهت الثورة؟
سؤال يتردد كثيراً في ظل محاصرة ثوار الغوطة واقتتالهم المستمر، وتصفية قيادات الثوار في حوران المعارضين لتجميد الجبهة الجنوبية بسيطرة غرفة العمليات المشتركة، وأخيراً بسقوط حلب!
لا يمكن الإجابة على هذا السؤال ببساطة، ويكفي أن يقرأ المهتم تاريخ الثورة الفرنسية ليدرك أن الحراك الثوري الحقيقي لا يظهر فجأة، وإذا انتصر لظروف ما فسيكون انتصاراً ناقصاً يحمل داخله بذور نهايته.
الجيل الذي ثار على حكم آل الأسد بعد خمسين عاماً من الديكتاتورية والظلم لن يعود لحظيرة الطاعة مهما حصل، والقيادات الثورية التي تشربت الممارسات الديكتاتورية فأعادت ممارستها بلباس مختلف لن تبقى طويلاً، بل سيستمر الحراك وستغذيه الجرائم التي يرتكبها النظام وحلفاؤه اليوم بغباء دون أن يدركوا أن الوقائع على الأرض قد اختلفت.

ماذا بعد حلب إذن؟
قد يتظاهر النظام وحلفاؤه بالتوجه إلى تدمر لمحاربة داعش، وقد تنتهي المواجهة بانسحاب داعشي كما في المرة الأولى، لكن الوجهة الحقيقية ستكون إدلب.
لم تظهر إدلب كثيراً في الأضواء بحكم وجودها قريبة من حلب التي تفوقها في الحجم، لكن أهمية إدلب تكمن في كونها المحافظة الوحيدة التي تحررت بشكل شبه كامل، وكانت مدينتها الرئيسية تحت سيطرة الثوار منذ دخولهم إياها في الربع الأول من عام 2015، ما يجعلها حالياً في بؤرة الخطر لكونها تمثل المدينة الأكبر تحت سيطرة الثوار، ولأن النظام – بتواطؤ من الأمم المتحدة – قام بتجميع ثوار المناطق الأخرى فيها، بدءاً من القصير وانتهاء بمضايا مما يوحي بالخطيط لمذبحة مروعة لن يكون من الصعب على النظام القيام بها بعد قطع الطريق مع حلب، وسهولة إقفال المعابر الحدودية مع تركيا لقربها من جبال العلويين معقل القوة الحقيقية للنظام.
قد تكون مصيبة حلب كبيرة، لكن إغفال الخطورة الكبيرة التي تحيق بإدلب، والانشغال بالانتصارات الكرتونية التي يحققها درع الفرات في الريف الشمالي لحلب قد تؤدي إلى مصيبة أكبر وأفدح إذ يعني سقوط إدلب إعادة السيطرة الكاملة لجيش النظام وحلفائه على سورية، عدا البؤر التي تم تخصيصها لداعش لاستمرار القصف والتواجد العسكري للميليشيات الشيعية.
مرة أخرى .. ماذا بعد حلب؟
إن استمرت حالة الذهول واللامبالاة التي يعيشها العرب اليوم، فسيكون بعد حلب رفع رايات بني ساسان الجدد على عواصم عربية كثيرة، لن تكون صنعاء آخرها.

الأحد، 25 سبتمبر 2016

اعترافات مريض نفسي

هذه المقالة كتبها صديق من أذكى وألطف الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي، أعرف أنه بذل جهداً كبيراً ليتغلب على مشكلته، وأعرف أنه في المراحل القليلة التي استطاع فيها تطويق مرضه كان يبدع ويتألق في عمله، وأعرف أنني خذلته، كما خذله معظم أصدقائه وأقاربه، فلم أحاول يوماً تفهم مشكلته بشكل صحيح. 
أشكر له أنه أخذ زمام المبادرة فكتب هذه المقالة الممتازة ليشرح حالته، وأرجو أن تصل لأكبر شريحة ممكنة لأنه ليس الوحيد الذي يعاني، ولن يكون الأخير للأسف.
-----------------------   --------------------    ------------------------------

من أشد الأمور إيلاما وأقساها على نفس أي مريض بمرض عقلي (أو نفسي كما يسميه البعض) هو نظرة من حوله له ولمرضه. فبدلا من التعاطف والدعم والتفهم، يواجه قدرا رهيبا من الاتهام بالكفر أو قلة الإيمان، أو الاستسلام والتواني عن السعي للعلاج. 

وهذه النظرة المؤلمة تأتي من الصديق والعدو، وفي المجتمعات الشرقية والغربية. وهي نتيجة لطبقات متراكمة من الجهل وسوء الفهم لطبيعة المرض العقلي (أو النفسي)، وكذلك من الخوف من المجهول. وقد تراكمت عبر قرون وأجيال متعاقبة.

ولأوضح لكم الأمر، فلنفترض أنك تجلس في مقهى تستمتع فيه بشرب مشروب منعش. فيمر أمامك ثلاثة أشخاص يعرجون. وأنت لا تعرف بمجرد النظر إليهم أن أحد هؤلاء الأشخاص قد أصيب بشوكة صغيرة تؤلمه وتسبب ألما في رجله، والعرج سيزول خلال ساعات إن شاء الله. بينما الشخص الثاني يعرج بسبب إصابة بالغة، وليس من المتوقع أن تشفى قبل بضعة أسابيع، هذا مع ضرورة الحرص على تناول المضادات الحيوية بانتظام. أما الشخص الثالث فهو مصاب بعاهة مستديمة في رجله. كما تلاحظ فإنه بالرغم أنه يبدو ظاهريا أن سبب عرجتهم واحد، إلا أن ذلك أبعد ما يكون عن الصحة.

قد يبدو لك من المناسب أن تطلب من الشخص الأول أن يتناسى الألم ويحاول المشي بشكل طبيعي، وقد تفكر في قول نفس الشيء للشخص الثاني. أما الشخص الثالث المصاب بعاهة مستديمة، فإنه من غير المنطقي أن تطالبه بتناسي مرضه والجري سريعا، أو أن تطالبه أن يتقدم لوظيفة تطلب لياقة بدنية عالية. 

والآن لنتخيل أنك قابلت ثلاثة أشخاص مكتئبين. الأول حزين لأنه فقد جهاز هاتفه المحمول/الجوال (الموبايل)، والثاني حزين لأنه فقد أباه، أما الثالث فهو مصاب بمرض الاكتئاب. سرعان ما ينسى الأول حزنه بمجرد أن يشتري جهازا جديدا أو يجد جهازه المفقود. أما الثاني فلا شك سيحزن لبضعة أسابيع، ولكنه سرعان ما ينسى الأمر كذلك. ربما يحزن بعض الشيء كلما تذكر أباه. ولكن الحزن لن يؤثر بشكل مزمن على قدرته على الاستمتاع بالحياة وعلى العطاء. 

أما الشخص الثالث فهو مصاب "بمرض الاكتئاب". وهو مرض كأي مرض، منه ما يمكن معالجته ومنه المزمن الذي لم يتوصل العلم لعلاجه بعد. وإن كان من المناسب أن تطلب ممن فقد هاتفه المحمول أو والده أن nينسى الأمر، فإنه من السذاجة أن تطلب من مريض الاكتئاب أن ينسى الأمر ويعيش وكأن شيئا لم يكن. فما أشبه ذلك بمطالبة المشلول بأن ينسى شلله ويقوم بالجري. 

يحسب بعض الناس أن الإيمان بالله، والذكاء، والحب، والتفكير الإيجابي يحمي صاحبه من الأمراض العقلية، أو يكون كافيا لعلاجه إن أصيب بمرض عقلي. وهذا أبعد ما يكون عن الصحة. نعم، هناك الكثير من حالات الاضطراب النفسي التي يمكن علاجها بالروحانيات والحب والتفكير الإيجابي، تماما كما أن هناك الكثير من حالات العجز البدني التي قد يفيد معها ما يسمى بالعلاج الفيزيائي أو الطبيعي. ولكن هناك أيضا الكثير من الحالات التي هي عبارة عن إعاقة عقلية أو بدنية مستديمة. 

ولكن ماذا عن العلاج بالقرآن والرجوع إلى الله؟ أليس ذلك كفيلا بعلاج كل أمراض النفس؟ فأقول لك، هل ترى أنه من المناسب أن تطلب من شخص مشلول أن يلجأ للعلاج بالقرآن، أم أنك ستطلب منه أن يلجأ لطبيب يعالج أعصابه أو عضلاته؟ فكذلك المصاب بمرض عقلي، إنه يحتاج لأخصائي أمراض عقلية أو عصبية لعلاجه. أعتقد أن من أهم الأسباب وراء الالتباس في فهم حقيقة المرض النفسي هو "تشابه الأسماء". فقد يبدو بديهيا أن علاج الأمراض "النفسية" يكون بعلاج "النفس" بالقرآن والروحانيات والنظرة الإيجابية للعالم ومشاكله. وهذا صحيح ولاشك لمن عنده مشكلة نفسية مؤقتة.
ولكن هناك عدد كبير من حالات المرض النفسي التي من الأكثر دقة أن يتم وصفها "بمرض عقلي" أو "مرض مخي" أو "مرض عصبي" (وليس مرض نفسي). ربما هذا الوصف يجعل الناس أكثر تفهما لحقيقته. ففي الحقيقة أن الكثير من الأمراض العقلية نشأت بسبب اضطراب في وظائف العقل أو المخ، وليس عن سوء فهم للأولويات في الحياة، أو للارتباط بالشيطان والبعد عن الله.

نعم هناك حالات تحدث معها المعجزات ويتم فيها الشفاء بقدرة الله من أمراض مستعصية، وبوسائل لا يستطيع البشر إدراكها كقراءة القرآن أو شرب ماء زمزم أو غير ذلك. ولكني أظنك تتفق معي على أنه من الظلم أن نتهم من أصابه الشلل (أوالإعاقة من أي نوع) بالكفر أو ضعف الإيمان، لمجرد أنه قرر أن يتعايش مع إعاقته وعجزه بالقبول، وقرر التوقف عن البحث عن علاج لما لا يمكن علاجه. أظنك تتفق معي أنه إن كانت الإعاقة دائمة، فأفضل ما يقوم به المعاق أن يركز جهده على تعلم العيش مع الإعاقة والتكيف معها، بدلا من التعلق بآمال وهمية في الشفاء من إعاقة دائمة أبدية. هذا لا ينفي أهمية تجربة وسائل جديدة للعلاج إن ظهرت، ولكن يجب أن يكون التركيز وغالبية الاهتمام والتفكير منصرف للتكيف مع الوضع الحالي. 

من المؤسف فعلا أنه لا يزال هناك من ينظر للمريض العقلي على أنه مذنب. ويتم إتهامه بأنه لبعده عن الله وبنظرته السلبية للحياة وبتقاعسه عن مساعدة نفسه، تسبب في تعاسة نفسه. 

لقد عشت أكثر من 20 سنة أعاني بصمت من الاكتئاب ولم يشعر أحد ممن حولي بمعاناتي. فقد كانت الأدوية كفيلة بعلاج الخلل (إلى حد كبير) في كيمياء مخي. ولكن منذ حوالي سنتين بدأت حالتي بالتدهور ولم تعد أي أدوية تفيد نفعا. فلجأت للجلسات الكهربائية، ولكنها كذلك لم تفيد. فاضطررت لترك عملي، وأصبحت أعيش وأولادي على الإعانات المادية من الأخرين. ولا يستطيع تصور الإحساس بالفقر إلا الفقير. ولايستطيع إحساس من وجد نفسه فجأة فقيرا إلا من مر بهذه التجربة المريرة المؤلمة جدا. "ارحموا عزيز قوم ذل". 

ووجدت أن هناك الكثير من المعالجين الذين ينصحون المرضى بإعلام أصدقائهم وأقاربهم بحالتهم. ومن المفترض أن هؤلاء المعارف سيقدموا الدعم المناسب ويتفهموا حالة المريض. ولكن ما حدث معي (ومع كثير من المرضى الأخرين) هو أنني تلقيت قدرا كبيرا من النصائح الساذجة. وبالرغم أنني على يقين بأنها كلها نابعة من حب وإخلاص وحرص على فائدتي، إلا أنها كانت كلها ضارة وأتت بنتائج عكسية على حالتي العقلية. فلقد سببت لي مزيدا من الإحساس بالعجز والذنب. 

ومن المؤسف أن الإحساس المبالغ فيه بالذنب هو من الأعراض الشائعة المصاحبة للاكتئاب. فكانت ردود فعل من حولي تزيد من هذه المشكلة وتزيد من إحساسي بالذنب. فكلما سمعت نصيحة تنصحني بممارسة الرياضة أو قراءة القرآن أو الخروج من المنزل أو غير ذلك، عندما أسمع هذه النصائح ولا أستطيع تنفيذها لعجز عقلي عن الاستجابة لتأثيراتها الإيجابية، يزيد إحساسي بالذنب وكرهي لنفسي ورغبتي في عقاب نفسي. 

أرجو أن أكون قد استطعت أن أوضح لك أن الاكتئاب المرضي المزمن هو ليس مجرد حالة حزن مؤقتة لسبب مؤقت، وأنه لا يمكن علاجه بمجرد الرجوع إلى الله أو ممارسة الرياضة أو النظرة الإيجابية للحياة. 

ولكن ما هو إذا الاكتئاب المرضي؟ وللإجابة على هذا السؤال، أحب أن أسألك، هل فكرت يوما إن كان ما تراه يوميا وبشكل متكرر من ألوان هي نفس الألوان التي يراها الضفدع أو الغزال أو السمكة أو المصاب بمرض عمى الألوان؟ ما تعودت أنت على رؤيته بشكل متكرر وبدون أن تتسائل عن صحته أو حقيقته أو كونه واقعا أو خيالا، أراه أنا بشكل مختلف تماما. وقد أثبتت الدراسات الحديثة وجود اختلافات واضحة بين وظائف وقدرات المخ السليم والمخ المصاب بالاكتئاب. 

عقلك "السليم" يرى في المواقف السعيدة والإنجازات المختلفة أسبابا للسعادة والرضا عن النفس والرغبة في مزيد من العطاء والعمل وحب الحياة. ولكن عقلي "المريض" يرى كل هذه الأمور بشكل مختلف تماما. فكما أن الشخص المصاب بعمى الألوان يجد صعوبة في التمييز بين بعض الألوان أو يعجز عن رؤية بعضها، فأنا كذلك لا يستطيع عقلي ترجمة الأمور بنفس الشكل الذي يترجمها به عقلك. نعم، هذه هي الحقيقة المرة!!!  

أنت تحاسبني بناءا على افتراضية أن عقلي لديه نفس القدرات التي يتمتع بها عقلك. وقد أبدو لك طبيعيا ولست مصابا بأي قصور في الذكاء، ولكن هناك أجزاءا من عقلي لا تعمل كمثيلاتها عندك. فلتعتبرني ضفدعا أو شخصا مصابا بعمى في الألوان أو مصابا بخلل عصبي خفي لا تستطيع أنت أن تراه. فعقلي لا يرى السعادة سعادة، ولا الحب حبا. إنه لا يستجيب لهرمونات السعادة بالشكل الذي يستجيب لها عقلك. وعندها ستدرك أنه ليس من العدل أن تنتظر مني أن أفهم أو أدرك أي سبب للسعادة. 

والمشكلة الأعظم أنني (في كثير من الأحيان) لا أستطيع إدراك أنني مختلف. وبالتالي لا أدرك أن نصائحك الغير مناسبة لحالتي ينبغي تجاهلها (لكيلا تؤثر علي سلبا). بل أحس بالذنب لتقصيري وعجزي عن تنفيذ نصائحك، وأحس أنني مقصر وكسول ولا أقوم بما يلزم من خطوات إيجابية لعلاج نفسي. بل يقودني عقلي المريض أن أؤذي نفسي وأفكر في الانتحار لأعاقب نفسي على أخطائها الفادحة (النابعة من إحساسي المرضي والمبالغ فيه بالذنب). 

قال يوما أحد الحكماء ما معناه: كلنا عباقرة، ولكن إن قمت بتقييم قدرات السمكة بتقييم قدرتها على تسلق الأشجار، فستعتبرها عاجزة وغبية. 

والسؤال الأخر الذي قد يخطر ببالك لماذا لا أتجاوب معك عندما تدعوني للخروج أو للقيام بأي نشاط؟ في الحقيقة إن عقلي يصعب عليه  الاستمتاع بأي نشاط. كما أنني أجد صعوبة شديدة للبدء بأي نشاط. ربما تحس أنت أحيانا بأنك تحتاج إلى بعض المجهود لتدفع نفسك للبدء في ممارسة بعض الأنشطة. أما أنا فأنا أحتاج إلى مليون ضعف مما تحتاجه أنت من المجهود. ثم أحتاج لكثير من المجهود لأحاول أن أستمتع ولو قليلا بممارسة نشاط ما أو حتى بتناول طعام ما.

ولكن من الغريب أنني أحب أن تتصل بي وتدعوني لزيارتك أو تشرفني بزيارتك لي. ولكني للأسف لا أستطيع قبول الدعوة في كل مرة. فتمر علي أيام أكون فيها بحال جيدة نسبيا، وأخرى أكون فيها بحال سيئة، وأخرى أكون فيها بحالة سيئة جدا. وفي هذه الحال الأخيرة ربما لا أستطيع حتى الرد على اتصالك الهاتفي. وبالرغم من ذلك أكون مقدرا وشاكرا لك اتصالك، ولكنني لا أستطيع الحديث والتواصل معك من شدة الإحساس بالاكتئاب والحزن والألم النابع من اختلال في كيمياء مخي. ففي هذه الأيام يبدو كل ما في العالم مختلفا تماما، ولا يمكن لأي إنسان طبيعي يتمتع بصحة عقله أن يرى العالم بالشكل الذي أراه أنا به.

ولعلك بعد هذا الشرح المطول جدا والعميق بعض الشيء للاكتئاب ولمشاعري وظروفي، لعلك الآن تتسائل وتستعجب كيف أدعي الجنون وفي ذات الوقت أستطيع توضيح الأمور بهذا الشكل التفصيلي الدقيق!؟ أو ربما تقول هذا كلام شخص مريض فعلا ولكن ليس بالاكتئاب، وإنما بعدم النضج وبالطفولة المتأخرة. 

لا ألومك في تحليلك هذا. ولكن أحب أن أوضح لك أنه من عجائب مرض الاكتئاب أن المريض قد يكون ناجحا (بل ربما متفوقا) في بعض نواحي الحياة (رغم مرضه العقلي). وكأن قدراته العقلية تركزت في ناحية ما فأبدع فيها، وخبت في ناحية أخرى فأثرت على إحساسه بالسعادة والحياة. والأعجب من ذلك أن تفوقه قد يكون في فهم النفس البشرية وتنميتها. فقد يكون لديه الكثير من العلم والدراية بخبايا النفس البشرية وبعلوم التنمية البشرية، بل وقد يستطيع أن يدرس هذه العلوم ويقدم المساعدة للأخرين ويأخذ بأيديهم لتحقيق السعادة في الدنيا والعمل للأخرة. ولكن ومع كل هذا، يعجز عقله عن تطبيق ذلك على حياته الشخصية.

قد يبدو لك الموضوع وكأنه نوع من النفاق. وربما لا يكون هذا التشبيه ببعيد عن الحقيقة. فالاضطراب العقلي يمكن أن يظهر للبعض في شكل شخصية منافقة، وذلك نظرا للإضطراب والتناقض الحاصل في بعض وظائف المخ. ويحضرني في هذا الصدد الممثل الأمريكي الكوميدي الشهير (روبن ويليامز) الذي مات منتحرا بعد معاناة طويلة مع الاكتئاب (فيما نشر عنه). وأول ما يخطر ببالك، كيف يكون ممثلا كوميديا ويعاني من الاكتئاب!!! لقد عاش يقدم للكثيرين الابتسامة والسعادة، بينما كان يتألم في صمت لوحده (فيما أظن).

أرجو أن يساهم هذا المقال في التخفيف من الإحساس بالعار لدى المرضى أمثالي. والتخفيف من الإحساس بالعار لدى أقارب المرضى ومعارفهم. ولا أظنني أستطيع (مهما حاولت) وصف بشاعة الصدمة وشدة الألم الذي أصابني من ردة فعل أحد الأقارب عندما صارحته بمرضي. فقال لي "ليتك لم تخبرني". وطلب مني أن لا أذكر هذا الأمر لأي من معارفه. لن أحدد لكم طبيعة القرابة لكي لا تتعرفوا عليه أو علي، ولأجنبه العار الذي سيلحق به عندما يعرف معارفه بأن له قريب مصاب بمرض عقلي. ولنفس السبب فلن أوقع على هذا المقال باسمي، لأجنب أقاربي العار في حال انتشار هذا المقال بين الناس المحيطين بي.

وأرجو أن يساهم هذا المقال في إيضاح أن المرض العقلي ليس نتيجة لبعد المرء عن ربه أو لتقصيره في الاهتمام بممارسة الرياضة أو لعدم فهمه لأولويات الحياة وسبل الوصول للسعادة، وإنما هو اختلال كيميائي في مكونات المخ، ويحتاج إلى علاج طبي مثله مثل أي مرض أخر.

ولا أستطيع أن أنهي هذا المقال الطويل دون التعبير عن عميق امتناني وشكري لزوجتي الحبيبة والتي قدمت لي كل الدعم. وربما كانت الشخص الوحيد الذي لم يقدم لي نصيحة واحدة. نعم، هذا هو كل ما أريده "عدم تقديم النصائح". زوجتي "تحسن الاستماع" لما أقول لها. ولكنها "لا تحاول تقديم الحلول". وهذا هو كل ما أنتظره منك "مجرد الاستماع" والدعاء. أنا لا أنتظر منك أن تناقشني في مضمون هذا المقال. وأرجو منك ألا تصر على محاولة تقديم النصح لأن ذلك يزيد حالتي سوءا. أرجو منك أن تساعدني بالطريقة التي تفيدني، وهي كما ذكرت أعلاه حسن الاستماع والدعاء.

والمشكلة الأعظم أنني (في كثير من الأحيان) لا أستطيع إدراك أنني مختلف. وبالتالي لا أدرك أن نصائحك الغير مناسبة لحالتي ينبغي تجاهلها (لكيلا تؤثر علي سلبا). بل أحس بالذنب لتقصيري وعجزي عن تنفيذ نصائحك، وأحس أنني مقصر وكسول ولا أقوم بما يلزم من خطوات إيجابية لعلاج نفسي. بل يقودني عقلي المريض أن أؤذي نفسي وأفكر في الانتحار لأعاقب نفسي على أخطائها الفادحة (النابعة من إحساسي المرضي والمبالغ فيه بالذنب). 



أخي وأختي القارئة... أنت لا تعرف ما يحس به المصاب بمرض الاكتئاب ولا مقدار المعاناة التي يعانيها. لذلك أرجو أن تعذره إن قرر إنهاء حياته. وأختم مقالي هذا بأن أنقل لكم الفتوى التالية، وهي للشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله: " فالانتحار من أقبح الكبائر، لكن عند أهل السنة والجماعة لا يكون كافراً، إذا كان مسلماً يصلي معروف بالإسلام موحداً لله -عز وجل- ومؤمناً به -سبحانه- وبما أخبر به، ولكنه انتحر لأسباب إما مرض شديد وإلا جراحات شديدة، وإلا أشبه ذلك من الأعذار، فهذا الانتحار منكر، وكبيرة من كبائر الذنوب، ولكنه لا يخرج به من الإسلام إذا كان مسلماً قبل ذلك، لا يخرج به الانتحار من الإسلام، بل يكون تحت مشيئة الله -سبحانه وتعالى- كسائر المعاصي، إن شاء الله عفا عنه وأدخله الجنة بإسلامه وتوحيده وإيمانه، وإن شاء ربنا عذبه في النار على قدر الجريمة التي مات عليها، وهي جريمة القتل. ثم بعد التطهير والتمحيص يخرجه الله من النار إلى الجنة، فينبغي لوالدته أن تدعو له كثيراً، وأن تترحم عليه كثيراً، وأن تتصدق عنه كثيراً، لعل الله يلطف به، ولعل الله يرحمه إذا كان مسلماً. أما إذا كان ليس بمسلم: لا يصلي، أو يستهزئ بالدين، أو يعبد القبور، ويتعلق بالأموات، ويدعو الأموات، ويستغيث بهم، هذا لا يدعى له، وليس بمسلم في الظاهر، فأمره إلى الله -سبحانه وتعالى-. نسأل الله السلامة والعافية. بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً." مصدر الفتوى أعلاه: http://www.binbaz.org.sa/mat/11917 ------ حكم الصلاة على قاتل نفسه: http://m.islamweb.net/index.php?page=showfatwa&id=2386 ------

إخلاء مسئولية: حاولت في هذا المقال أن أصف معاناتي. وأعتقد أن وصفي ينطبق على كثير من المصابين بأمراض عقلية مزمنة. ولكن إن كنت تعاني من أي مشاكل نفسية أخرى، فأرجو منك أن تبادر باستشارة متخصص بأسرع ما يمكن. أغلب حالات الإضطراب النفسي يمكن التعامل معها والسيطرة عليها في حالة التشخيص والعلاج المبكر. كما ينبغي لك محاولة جميع طرق العلاج المتاحة كممارسة الرياضة والتفكير الإيجابي والأدوية المناسبة لحالتك.

السبت، 17 سبتمبر 2016

لسنا كذلك!


العنوان هو ترجمة اجتهادية مني لعبارة (We are not such things) وهي عنوان كتاب صدر نهاية شهر يونيو الماضي لكاتبة أمريكية متزوجة من مواطن جنوب أفريقي وتعيش في جوهانسبرج اسمها جستين فان دير ليون.
الكتاب يحكي قصة حقيقية عن الناشطة الأمريكية إيمي بييل خريجة ستانفورد التي ذهبت إلى جنوب أفريقيا للمساهمة في إلغاء نظام الفصل العنصري وتدريب المواطنين السود على آليات الانتخاب لتجهيزهم للمشاركة في أول انتخابات شاملة في البلاد وانتهى بها الأمر مقتولة على أيدي من تدافع عنهم وهي في السادسة والعشرين من عمرها.
عام ١٩٩٣، أي قبل عام من تحقق حلمها، خرجت إيمي من المناطق الآمنة إلى أحد الأحياء التي تسيطر عليها العصابات لتوصيل اثنتين من زميلاتها السود، ولم يشفع لها وجودهما في سيارتها، ولا صيحاتهما المستجدية وهما تؤكدان (إنها مع قضيتنا، إنها تدعمنا) بل كانت بشرتها البيضاء كافية ليعترضها مجموعة من المراهقين المجندين في إحدى العصابات وينهالوا عليها طعناً بالسكاكين ورمياً بالحجارة حتى فارقت الحياة، بينما كُسرت ذراع إحدى زميلاتها وهي تحاول الدفاع عنها.
تحكي المؤلفة كيف تم القبض على ثمانية مراهقين وأحيل أربعة منهم للمحاكمة وتم الحكم عليهم بالسجن ثمانية عشر عاماً. بعد أن تم إلغاء قانون الفصل العنصري وتشكلت لجنة برئاسة مانديلا لمراجعة الأحكام التي تستدعي إعادة النظر، استمعت اللجنة إلى المتهمين الذين أكدوا أن دافعهم كان سياسياً (كونها بيضاء تمثل الأقلية التي تضطهد الأغلبية السوداء)، كما استمعت إلى والدي إيمي الذين أكدا أنهما يوافقان على ما تراه اللجنة دون تحفظ، وهكذا حصل الأربعة على العفو وأطلق سراحهم.
اثنان من الأربعة الذين قتلوا إيمي يعملان اليوم في مؤسسة خيرية أنشأها والداها لمساعدة الفقراء في جنوب أفريقيا، وأحدهما هو قائل العبارة التي استخدمتها المؤلفة عنواناً للكتاب.
خلال المحاكمة، كان دفاع المتهمين يدفع بأن الجريمة ارتكبت لدوافع سياسية وليست شخصية، فرد ممثل الادعاء بأن الجريمة تمثل الطبيعة الوحشية للمجرمين ولا علاقة لها بالاضطهاد والأقلية البيضاء التي تمارسه، واصفاً القتلة بأنهم مثل أسماك القرش تتجمع عندما تشم رائحة الدماء وتبدأ بافتراس ضحيتها. وهنا أجابه المتهم الذي يعمل حالياً في مؤسسة إيمي بييل (We are not such things).
ما شد انتباهي للكتاب والقصة التي يحكيها كمية التشابه (والتناقض في آن واحد) مع واقع سورية اليوم.
منذ انقلاب ١٩٧٠ تحكم الأقلية العلوية ممثلة يحافظ الأسد وابنه بشار أكثرية الشعب السوري التي تنتمي إلى طوائف نتعددة أكثرها السنة. وقد عانى السوريون الأمرين من ضباط المخابرات والجيش والذين كان معظمهم (أو معظم المتنفذين منهم على الأقل) ينتمون إلى طائفة الرئيس.
وبعد انطلاق الثورة السورية عمل النظام بشكل ممنهج على تخويف الأقليات عموماً، وحاضنته العلوية خصوصاً، من المحيط السني الذي يتربص بهم، وبدأنا نسمع عن حوادث تمثيل بالجثث من محسوبين على الثورة، كانوا إلى وقت قصير من حثالة المجرمين الذين أطلقهم النظام من سجونه ليعيثوا في الأرض فساداً، بالتوازي مع جرائم تعذيب وانتهاكات فظيعة يقوم بها جنود النظام الطائفيون لزيادة الاحتقان والحقد لدى المكون السني، وصولاً إلى الحالة المثالية بالنسبة للنظام المجرم، حالة (إما نحن أو هم) مع استغلال الهمج المتسترين برداء فتاوى الإجرام وحوادث قطع الرؤوس والصلب لتأكيد المخاوف التي زرعها في نفوس الأقليات.
منذ بدأت ملامح تطويل عمر الأزمة والتآمر العالمي على الشعب السوري تتضح في الأفق، بعد حوالي سنة من القتل الممنهج والصمت العالمي المخزي، دارت حوارات كثيرة بين الناشطين حول ضرورة إصدار منهج واضح للتعامل مع الأقليات وشكل نظام الحكم الذي يطمح الثوار في الوصول إليه، لكن تفتت القوى الثورية وحالة عدم الثقة المسيطرة على التكتلات منعت الوصول إلى ميثاق جامع متفق عليه، رغم وجود بيانات متفرقة من مختلف الأحزاب والجبهات.
واليوم، تبدو الحاجة إلى هذا الميثاق أكبر وأهم، لكنها كذلك أصعب في التطبيق، حيث تبدو فكرة (التسامح) ونسيان جرائم السنوات الخمس الماضية فكرة مثالية أقرب للخيال منها إلى الواقع، لكنها تبقى ضرورة لا يمكن لسورية أن تستمر بدونها.
والسؤال الذي يبقى دون إجابة: هل هناك بين المعارضين السوريين من يملك الشجاعة الكافية، وإنكار الذات الكبير، ليطرح هذا المقترح مواجهاً سيلاً من اتهامات العمالة وخيانة دم الشهداء، ومتحملاً كمية الشتائم الهائلة التي ستنهال عليه من المثقفين قبل العوام، ومن العلمانيين قبل الإسلاميين في سبيل الوصول إلى سورية موحدة تصلح للعيش الإنساني؟
قالها القاتل الجنوب أفريقي: لسنا كذلك.. لسنا وحوشاً، فمن السوري الذي سيقولها؟
رابط المقالة على موقع الشفاف 

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2016

الأزمة في قيادة العمل غير الربحي

المتتبع لحالة المنظمات غير الربحية في المنطقة العربية خصوصاً والدول النامية عموماً يجدها تعاني من مشكلات عديدة تعيق عملها، ليست بالضرورة مشكلات مالية، بل تتعلق بشكل أكبر بالعامل البشري وأساليب الإدارة، مما ينعكس سلباً على قدرة هذه المنظمات على إحداث الأثر المطلوب منها في مجتمعاتها.
لقد عانى العمل في القطاع غير الربحي لفترة طويلة من ارتكازه على ثقافة (التطوع) وابتعاده عن المهنية المطلوبة لإنجاح أي أعمال، وهو ما انعكس على ضعف الميزانيات المخصصة للتشغيل عموماً، حيث كانت معظم القيادات العاملة فيه من المتطوعين الذين يقبلون بعوائد مالية لا تتناسب مع مؤهلاتهم من باب (عمل الخير) بينما كانت الكوادر الميدانية والموظفين من الفئات ذات التأهيل الضعيف، التي تقبل بالعوائد المالية المتواضعة التي يوفرها هذا القطاع.
ومع تزايد الاهتمام بالعمل التطوعي بشكل عام، واتجاه كثير من المؤسسات المانحة إلى إصدار أدلة تساهم في حوكمة العمل ومأسسته، وتوفير أنواع من التدريب المتخصص للعاملين في المنظمات غير الربحية، بدأت النظرة إلى طريقة إدارة العمل التطوعي تختلف قليلاُ إلا أن النتائج الملموسة لا تزال دون المستوى المأمول من هذه المنظمات، نتيجة لعوامل كثيرة، لعل أهمها القيادات العاملة في القطاع غير الربحي.
من خلال العمل مع عدة منظمات غير ربحية في منطقة الخليج، لمسنا تشابهاً في نمط القيادة في هذه المنظمات، حيث يرتكز العمل بالدرجة الأولى على شخص المدير العام أو الأمين العام الذي يتم اختياره من مجلس الإدارة بناء على مؤهلاته ومعرفة أعضاء مجلس الإدارة (أو بعضهم) به، وهو المسؤول عن اختيار فريقه.
نتيجة لترسخ قناعة بأن العمل غير الربحي يجب أن يكون مقتصدا في النفقات التشغيلية، ومتواضعاً في المزايا التي يقدمها لموظفيه، يلجأ المدير العام إلى توظيف أشخاص بكفاءات متوسطة ولا يتم تدريبهم أو تطويرهم خلال فترة وجودهم، مما يشكل عائقاً أمام الترقيات وتفويض المسؤوليات، وتبقى المنظمة ذات هيكل مسطح (Flat organization) يتلقى جميع العاملين فيها تقريباً مهامهم من المدير العام.
وحتى عندما حاولت بعض المؤسسات غير الربحية استقطاب كفاءات من قطاعات أخرى (مدير استثمار من القطاع المصرفي مثلاً) كانت الإجابة بالرفض رغم العائد المادي المغري، لأن الأشخاص الذين تم عرض الوظيفة عليهم لم يجدوا في المنظمة مستقبلاً مهنياً واضحاً، واعتبروه انتحاراً على الصعيد المهني في مقابل عائد مادي غير مضمون الاستمرار.
من الأمور المبشرة بالخير أن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية قد تنبهت لهذه الإشكالية في هذا القطاع الهام فركزت على حلها ضمن هدفين من أهداف الوزارة الإستراتيجية للخمس سنوات القادمة، حيث نص الهدف الثاني على "بناء قدرات الجهات العاملة في القطاع الثالث وحوكمتها"، واشتملت مؤشرات قياس الأداء لهذا الهدف على مؤشرين يعالجان إشكالية نقص الكفاءات القيادية بشكل مباشر هما: "عدد الوظائف الممهننة في القطاع الثالث" و "نسبة المؤهلين من العاملين في القطاع الثالث في الوظائف الرئيسية".
كما نص الهدف الإستراتيجي الخامس للوزارة على " تمكين العمل التطوعي" واشتملت مؤشرات قياس الأداء على زيادة عدد المتطوعين في المنظمات غير الربحية بما يقارب عشرة أضعاف عددهم الحالي (من 35 ألف حالياً إلى 300 ألف بنهاية 2020) ولا شك أن تحقيق هذا الهدف الطموح يستدعي تحسين البنية الإدارية للمنظمات غير الربحية وتحقيق (طفرة) شاملة فيها كي تتمكن من استقطاب هذا العدد من المتطوعين وتوظفهم في أعمالها غير الربحية بشكل فعال.
من المهم في إطار السعي إلى تمكين المنظمات غير الربحية وتحسين بيئة العمل فيها الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي حقق العمل غير الربحي فيها تقدماً كبيراً مقارنة بمثيله في الدول النامية، فعلى سبيل المثال، تعمل في الولايات المتحدة حالياً ما يقارب المليون ونصف مؤسسة غير ربحية (حسب تقدير مكتب حقوق الإنسان في وزارة الخارجية الأمريكية) أي ما يعادل مؤسسة غير ربحية لكل 213 شخصاً من السكان، مقارنة بألف منظمة غير ربحية تعمل في المملكة العربية السعودية (حسب دراسة المركز الدولي للأبحاث والدراسات "مداد") وهو ما يوازي مؤسسة غير ربحية لكل 31 ألفاً من السكان.
ومع هذا التقدم الكبير الذي حققه العمل في المنظمات غير الربحية في الولايات المتحدة، إلا أن المشاكل المتعلقة بقيادة العمل تبدو مشابهة لما يواجهه العمل التطوعي في المملكة، فقد نشرت مجلة هارفرد للأعمال (هارفرد بزنس ريفيو) في ديسمبر 2015 مقالة تتحدث عن أهمية تطوير الكفاءات في العمل التطوعي استعرضت نتائج دراسة أجرتها مجموعة بريدج سبان عن المستويات القيادية في العمل التطوعي شملت مقابلات مع حوالي 400 موظف قيادي (C-Suite) في العمل التطوعي تحدثوا خلالها عن أهم أسباب تركهم العمل في المنظمات التطوعية.
الدافع لإجراء الدراسة كان الإحصائيات التي تشير إلى أن ما يقارب نصف شاغلي المناصب القيادية في المنظمات التطوعية إما تركوا أعمالهم خلال السنة السابقة للدراسة أو يخططون لترك منظماتهم خلال السنة أو السنتين التالية.
وعندما عملت المنظمات على إحلال قيادات جديدة مكان من غادروا مواقعهم، كان نصيب موظفي نفس المنظمات الذين ترقوا لشغل مناصب قيادية حوالي 30%، بينما جاء 44% من منظمات تطوعية أخرى، مما يعني أن حوالي ربع المناصب الشاغرة فقط نجح في استقطاب قيادات من خارج العمل التطوعي.
هذه النتائج تعطي مؤشراً واضحاً عن أزمة القيادة في العمل التطوعي في الولايات المتحدة، حيث أن نصف القيادات يتم تدويرها بين المنظمات، مما يرفع من التكلفة ويؤسس لثقافة التنافس بين المنظمات عوض تنمية قيادات جديدة، أو استقطاب كفاءات من خارج المجال التطوعي تنقل خبرات ورؤى تطويرية جديدة، وهي من أهم احتياجات تنمية العمل التطوعي.
ولدى سؤال المستقيلين من المؤسسات التطوعية عن أسباب ترك العمل، جاءت قلة العوائد المادية في المرتبة الأولى بنسبة تصل إلى 57%، بينما ذكر كثير من المستقيلين سبباً إضافياً هو غياب ثقافة التطوير الإداري، والذي حل ثانياً بحصوله على حوالي 50% من الإجابات، وتفاوتت النسب للسببين الأخيرين في القائمة وهما ضعف احتمالات الترقية مستقبلاً بسبب وجود هيكل تنظيمي قليل المستويات (مسطح)، وأخيراً عدم وجود القدرة والتحفيز على التطور.
أما المنظمات التي استطاعت أن تجد الحلول المناسبة للمحافظة على الكفاءات وتطويرها، واستقطاب القيادات للعمل فيها، فقد تميزت بأمرين مهمين، الأول: بناء هيكل تنظيمي ذي مستويات متعددة وتخصصات مختلفة يتيح المجال لترقية العاملين بناء على تحسن قدراتهم وفق خطة تطوير مهني واضحة (Career path)، والثاني: بناء برامج تطوير الكفاءات للموظفين تناسب تطلعاتهم ورغباتهم في التطور المهني وليس فقط الوظيفي.
ومع عدم وصولنا إلى دراسات تتناول نفس الموضوع في المنطقة، إلا أنه من المرجح أن نجد نفس المشكلات في المنظمات العاملة في المملكة، وبالتالي قد يكون من المناسب الإعداد للتعامل مع هذه المشكلة ضمن سياق الحوكمة وتمكين العمل التطوعي.