الاثنين، 11 نوفمبر، 2013

حظ

بعيداً عن السياسة، والثورة، ووجع القلب، وهموم العمل ..
كنت أبحث عن ملف قديم فتعثرت بهذه (التنهيدة) .. الغريب أنني كتبتها عام 1996 أي قبل سبعة عشر عاماً، ولا زالت حالتي مع العمل كما هي.. تغيرت الشركة، وتغير الزملاء، وكبر الأبناء وأصبحوا سقودون السيارة ويعتمدون على أنفسهم.. ولا زلت أفشل في ترك المكتب مثل بقية البني آدمين .. واضح أن العيب مني !

أضعها كما هي دون تنقيح، لأن المقصود منها أنها تنهيدة .. من أيام الشباب.

ليلة حظ

في إحدى ليالي الحظ في الرياض - و هي كثيرة كثرة ليالي الأنس في فيينا - كان المفترض أن أغادر عملي تمام الثامنة لأصل إلى منزلي خلال ربع ساعة و أجد أم محمد و الأولاد جاهزين للذهاب إلى السوق . و لأن تجاربي مع زوجتي العزيزة علمتني أنهم لن يكونوا جاهزين قبل الثامنة و النصف ما دام الموعد في الثامنة فقد قررت أن أكمل التقرير الذي أكتبه و أغادر في الثامنة و الربع ، و لكن التقرير معقد قليلاً و لذلك (سرقني) الوقت و انتبهت في الثامنة و النصف إلى أنني لا أزال في المكتب فأسرعت أطفئ الكمبيوتر
و أحمل دفتري .. نظرت إلى الجاكت المعلق للحظة ثم قررت أنني سأرتدي نفس الملابس غداً و بالتالي لا داعي لحمله معي ، و هكذا أقفلت مكتبي و أقفلت باب الردهة الخارجية و انطلقت أركض . في منتصف الممر تذكرت أن المحفظة في جيب الجاكت .. رجعت مسرعاً و بدأت بفتح باب الردهة و لكن المفتاح لا يدور ( هناك مشكلة في القفل و أحياناً يحتاج إلى مهارات خاصة لفتحه ، و لكن هذه الأحياناً تحدث مرة واحدة في الشهر .. يعني تلك الليلة ) ، أخيراً فتحت كلا البابين و حملت الجاكت و انطلقت . في أسفل الدرج قابلت ذلك الزميل العزيز الذي يحلو له الحديث الطويل و السؤال عن الأحوال بعد انتهاء الدوام ، سلم علي فرددت مسرعاً، و اعتذرت بانشغالي في أمر هام ، و لكنه سحبني من ذراعي قائلاً : هناك موضوع خطير يجب أن أحدثك فيه. حاولت التملص وتأجيل الأمر إلا أنه أصر ، و تكررت محاولاتي لما اكتشفت أنه نسي ما يريد إخباري به و لكنه كاد يقتلع ذراعي مرة أخرى و هو يسحبني ، بعد ضياع خمسة دقائق ثمينة من ممارسته التمارين الذهنية القاسية محاولاً التذكر ، و ممارستي الصبر المر انتهى بتذكر أن المدير العام كان يبحث عني هذا الصباح ، و كدت أخنقه و أنا أصرخ : يا بني آدم ألم تقابلني في مكتبه عصراً و تستوقفني لعشرة دقائق ؟ عادت الابتسامة البلهاء المعهودة إلى محياه الفاتن و بدت الأسنان المتباعدة لتزيده جمالاً و هو يقول : آسف .. نسيت. لم يكن لدي وقت كافٍ لأضربه و لذلك تركته وركضت للمواقف. عندما وصلت إلى الموقف المخصص لسيارتي يمين المواقف تذكرت أن أحد الزملاء المحترمين شغله قبلي هذا المساء و أنني اضطررت للوقوف في أقصى الزاوية اليسرى من المواقف ، عاودت الركض للسيارة وحاولت فتح الباب و لكن المفتاح لا يدور .. بالتأكيد لن يدور لأنه مفتاح الشنطة الخلفية و ليس باب السيارة
!
أخيراً انطلقت بالسيارة نحو الطريق السريع ، و وجدته - كالعادة - بطيئاً جداً ، تراجعت
و قررت الذهاب من طريق آخر أقل ازدحاماً ، كنت مسرعاً عندما شاهدت الصيدلية و تذكرت دواء أخيها ، و فكرت ( إذا اشتريته الآن فسوف تغفر لي تأخري من أجل أخيها ) ، و اتجهت نحو طريق الخدمة و دخلته فعلاً لأفاجأ بسيارة تقفز ناحيتي من داخل الطريق ، بدا واضحاً أن السائق قد انتقل من ركوب الجمل إلى ركوب المرسيدس ، ولأنه تعود أن يترك القياد للطرف الأكثر ذكاء ( الجمل في حالته ) فقد ترك السيارة تقوم باللازم و تتفادى الاصطدام بسيارتي ، أما أنا فلأنني لا أثق بذكاء السيارات فقد اضطررت للانحراف بعيداً عنه لأصطدم بالرصيف
و أسمع انفجار الدولاب .
توقفت جانباً و تفحصت الأضرار .. فقدت الدولاب الجديد الذي اشتريته قبل أيام قليلة ، حسناً سأقوم بتغييره وأنطلق، طبعاً الرافعة تحتاج إلى معركة حتى تقبل العمل، و مفك الصواميل مختبئ في زاوية ما من زوايا شنطة السيارة .. أخيراً انتهيت من تركيب الدولاب الاحتياطي
و لكن معدل الهواء ناقص و يحتاج إلى نفخ، اتجهت إلى أقرب مركز خدمة لأنفخه، ثم إلى الصيدلية لأشتري الدواء و أنطلق للبيت .
كانت العاشرة إلا ربعاً عندما وصلت ، فتحت الباب لأجد كل شيء هادئاً ، دخلت و قابلتني بابتسامة ساخرة :
  %  ( بكّير ) .
  %  لن تصدقي ما حصل .. سوء حظ فظيع .
  %  أعرف ، و هو يواجهك كل ليلة .
قبل أن أرد انتبهت إلى أنها لا ترتدي ملابس الخروج فوجدتها فرصة سانحة على اعتبار أن الهجوم خير وسيلة للدفاع :
  %  تتحدثين عن تأخيري و لم تتجهزي حتى الآن !
  %  كنا جاهزين منذ الثامنة ( يا للحظ اليوم فقط ) و لكننا عدنا إلى ملابس البيت عندما تأخرت.
  %  أنا آسف ، لم يكن الأمر بيدي، على كل الأحوال السوق يفتح حتى الحادية عشرة ، هيا بنا.
و أمضيت ربع ساعة في التوسل و المراضاة حتى اقتنعت و تجهزت . في العاشرة و النصف كنا نغادر البيت، و اخترت أقل الطرق ازدحاماً للوصول ، و لكن حادثاً مرورياً كان قد وقع قبل قليل ، و كعادتهم وصل النشامى من أبناء العرب ( الملاقيف ) من شتى أنحاء الرياض للمشاهدة و تعطيل وصول الإسعاف و التسبب في حوادث أكثر . و هكذا تعطلنا حتى الحادية عشرة لنصل إلى السوق وقت الإغلاق و نتأكد من إطفاء أنوار المحلات و إغلاقها جيداً .
في طريق العودة كسرت الصمت قائلاً : لا بأس .. غداً إن شاء الله سوف أحضر في الثامنة
و الربع و نذهب مبكرين .
هزت رأسها بهدوء دون تعليق .. واضح أنها تعرفني جيداً!!

هناك تعليق واحد:

  1. لا بد أنك نشرتها من قبل لأني أذكرها حرفيا! وأذكر أني لم أعرف زميل العمل الفاتن حين قرأتها أول مرة.. ولا أظنني حزرته هذه المرة أيضا.
    هنالك أخصائيون يسرقون مالك ليجلسوك ساعات على افتراض أنهم يعالجونك من إدمان العمل. اسمع مني.. لا تروح لعندن.
    لكن اذهب إلى طبيب صديق تثق به واساله بصراحة: هل هنالك ما يسمى فوبيا الرجعة عالبيت؟.
    الله يديم عليك الصحة والعافية.

    ردحذف