الجمعة، 24 أغسطس، 2012

تثبت قبل أن تنقل


قبل الإنترنت كان الناس يتناقلون ورقة مطبوعاً عليها وصية الشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية الشريفة التي ترد فيها بعض الأذكار، وفيها وعيد لمن يهمل نشرها وترغيب لمن يصورها وينشرها .. وجدتها على سيارتي عدة مرات ولم أصورها أو أنشرها .. ولا أزال حياً والحمد لله :-)
بعد الإنترنت بدأنا رحلة جديدة من التفاهات التي يرى أصحابها أنها مهمة، لذلك يريدون نشرها بأي شكل، بعضهم بحسن نية، وكثير منهم بسوء نية.
سمعنا مثلاً عن معجزة التين والزيتون التي اكتشفها فريق ياباني ثم وجد عالماً مصرياً سبقهم إليها فأسلم أعضاء الفريق، وهي قصة وصلت إلى الصحافة ونشرتها صحف معروفة، مع أنها مختلقة من ألفها إلى يائها.
هذا الكذب الذي يتناقله معظمنا دون تحقق يدخل في مجالات شتى، الموضوع الأكثر رغبة عند الناس هو ما يتعلق بالدين، فتارة يسمع رواد الفضاء صوت الأذان على القمر ويسلمون، وتارة يكتشف عالم غير معروف أن هناك ثقباً وحيداً في الغلاف الجوي تمر منه السفن الفضائية وإلا دمرتها الأشعة، ... وهكذا.
لكن هناك مجالات أخرى يحلو لمرتادي النت ومتبادلي الرسائل القصيرة نشرها وتكرارها، بعضها تتعلق بالصحة، وبعضها بأخبار الثوار والثورات، وبعضها بالأخبار الاجتماعية وهكذا.
لم يكن الموضوع ليعني لي الكثير فقد مللت من تنبيه أحبابي إلى هذه الأمور، وأصبح أفضل حل لي أن أحذفها فوراً دون تفكير.
لكن تغريدة قصيرة مرفقة بصورة غريبة وصلتني فجر اليوم من أستاذ فاضل جعلتني أتوقف قليلاً عندها، وأهدر بعض الوقت الثمين في البحث عنها.
لا أخفي أن الصورة المرفقة بالخبر كانت مذهلة، ومغرية جداً بالضغط على زر إعادة الإرسال (الريتويت) لكنني آثرت البحث عن الخبر أولاً.
كانت التغريدة تقول: تم بحمد الله قتل ثعبان البحر الأحمر القاتل وتم نقل جسم الثعبان إلى مشرحة الحيوانات بشرم الشيخ الدولية، والصورة المرفقة بها هي هذه:
 
 
بحثت عن الخبر مستعيناً بصديقي آية الله جوجل الذي يعرف خفايا النت، فأجابني بذكر عشرات الموقع التي أوردت الخبر، وذكرت أعداد الضحايا الذين قتلهم الثعبان من السياح والغطاسين، وبعضها تطوع بذكر أسماء الفريق العلمي والغطاسين الذين استطاعوا قتل الثعبان مما يعطي الخبر مصداقية عالية.. لكن الطبع المتشكك أبى أن يدعني، فجميع المواقع التي ذكرت الخبر هي منتديات عربية مخصصة لأنواع (اللت والعجن) بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وهي بالنسبة لي مصادر غير موثوقة أبداً حتى لو كان ما أنقله منها وصفة تحضير شوربة الدجاج.
رجعت إلى صديقي جوجل الذي يساعدني دائماً فبحثت عن الصورة هذه المرة وليس عن الخبر، لأجدها في مواقع باللغة الفارسية، وهي كلها أيضاً منتديات عند جيراننا الفرس الذين يبدو أنهم تأثروا بنا في الاختلاق، أخذت النص منهم وعرضته على آية الله جوجل فترجمه لي بأنه العثور على أطول أفعى آرية (ثعبان فارسي) وهي الوحيدة من نوعها في العالم بطول 43 متراً وعرض ستة أمتار وعمرها 103 أعوام (يخرب بيت الدقة، كأنهم وجودوا معها بطاقة شخصية)، وزاد أصحابنا الفرس بصور أخرى للأفعى وهي تلتهم صاروخاً مطلقاً نحوها.
طبعاً لا يحتاج الأمر إلى كثير من البحث بعد ذلك، فأطول أفعى عُثِر عليها حية حتى الآن تبلغ 11 متراً ولم يذكر أي شيء عداها.
 
ما هو مصدر الصور؟
في الغالب أنها من أحد أفلام هوليود التي مر عليها بعض الوقت ونسيها الناس، ووجدها بعض التافهين فرصة لزيادة عدد الزيارات لمنتدياتهم.
من سرق الكذبة من الآخر؟
هل بدأها الفرس وسرقها العرب؟ أم العكس؟ لا يهم .. كلاهما أتفه من الآخر.
 
لماذا أكتب عن الأمر في عز قتل المئات يومياً في وطني؟
لأن العقول التي لا تفكر، والثقافات القائمة على النقل دون إعمال العقل كانت سبباً رئيساً في تخلف هذه الأمة ، وفي وصول أوطاننا كلها – ومنها سوريا– لما وصلت إليه اليوم.
لم أعد أقنع بتنبيه الشخص الذي يرسل الرسالة لي، بل أريد محاولة التصحيح قدر الإمكان، فإن نجحت في تنبيه عشرة أشخاص، وقاموا بدورهم بنشر فكرة التحقق والتثبت قبل نقل الأخبار، والفوائد والنصائح، ربما .. أقول ربما نستطيع أن نغير شيئاً من واقع تفكيرنا السطحي.
 
سامحونا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق