الثلاثاء، 13 سبتمبر 2016

الأزمة في قيادة العمل غير الربحي

المتتبع لحالة المنظمات غير الربحية في المنطقة العربية خصوصاً والدول النامية عموماً يجدها تعاني من مشكلات عديدة تعيق عملها، ليست بالضرورة مشكلات مالية، بل تتعلق بشكل أكبر بالعامل البشري وأساليب الإدارة، مما ينعكس سلباً على قدرة هذه المنظمات على إحداث الأثر المطلوب منها في مجتمعاتها.
لقد عانى العمل في القطاع غير الربحي لفترة طويلة من ارتكازه على ثقافة (التطوع) وابتعاده عن المهنية المطلوبة لإنجاح أي أعمال، وهو ما انعكس على ضعف الميزانيات المخصصة للتشغيل عموماً، حيث كانت معظم القيادات العاملة فيه من المتطوعين الذين يقبلون بعوائد مالية لا تتناسب مع مؤهلاتهم من باب (عمل الخير) بينما كانت الكوادر الميدانية والموظفين من الفئات ذات التأهيل الضعيف، التي تقبل بالعوائد المالية المتواضعة التي يوفرها هذا القطاع.
ومع تزايد الاهتمام بالعمل التطوعي بشكل عام، واتجاه كثير من المؤسسات المانحة إلى إصدار أدلة تساهم في حوكمة العمل ومأسسته، وتوفير أنواع من التدريب المتخصص للعاملين في المنظمات غير الربحية، بدأت النظرة إلى طريقة إدارة العمل التطوعي تختلف قليلاُ إلا أن النتائج الملموسة لا تزال دون المستوى المأمول من هذه المنظمات، نتيجة لعوامل كثيرة، لعل أهمها القيادات العاملة في القطاع غير الربحي.
من خلال العمل مع عدة منظمات غير ربحية في منطقة الخليج، لمسنا تشابهاً في نمط القيادة في هذه المنظمات، حيث يرتكز العمل بالدرجة الأولى على شخص المدير العام أو الأمين العام الذي يتم اختياره من مجلس الإدارة بناء على مؤهلاته ومعرفة أعضاء مجلس الإدارة (أو بعضهم) به، وهو المسؤول عن اختيار فريقه.
نتيجة لترسخ قناعة بأن العمل غير الربحي يجب أن يكون مقتصدا في النفقات التشغيلية، ومتواضعاً في المزايا التي يقدمها لموظفيه، يلجأ المدير العام إلى توظيف أشخاص بكفاءات متوسطة ولا يتم تدريبهم أو تطويرهم خلال فترة وجودهم، مما يشكل عائقاً أمام الترقيات وتفويض المسؤوليات، وتبقى المنظمة ذات هيكل مسطح (Flat organization) يتلقى جميع العاملين فيها تقريباً مهامهم من المدير العام.
وحتى عندما حاولت بعض المؤسسات غير الربحية استقطاب كفاءات من قطاعات أخرى (مدير استثمار من القطاع المصرفي مثلاً) كانت الإجابة بالرفض رغم العائد المادي المغري، لأن الأشخاص الذين تم عرض الوظيفة عليهم لم يجدوا في المنظمة مستقبلاً مهنياً واضحاً، واعتبروه انتحاراً على الصعيد المهني في مقابل عائد مادي غير مضمون الاستمرار.
من الأمور المبشرة بالخير أن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية قد تنبهت لهذه الإشكالية في هذا القطاع الهام فركزت على حلها ضمن هدفين من أهداف الوزارة الإستراتيجية للخمس سنوات القادمة، حيث نص الهدف الثاني على "بناء قدرات الجهات العاملة في القطاع الثالث وحوكمتها"، واشتملت مؤشرات قياس الأداء لهذا الهدف على مؤشرين يعالجان إشكالية نقص الكفاءات القيادية بشكل مباشر هما: "عدد الوظائف الممهننة في القطاع الثالث" و "نسبة المؤهلين من العاملين في القطاع الثالث في الوظائف الرئيسية".
كما نص الهدف الإستراتيجي الخامس للوزارة على " تمكين العمل التطوعي" واشتملت مؤشرات قياس الأداء على زيادة عدد المتطوعين في المنظمات غير الربحية بما يقارب عشرة أضعاف عددهم الحالي (من 35 ألف حالياً إلى 300 ألف بنهاية 2020) ولا شك أن تحقيق هذا الهدف الطموح يستدعي تحسين البنية الإدارية للمنظمات غير الربحية وتحقيق (طفرة) شاملة فيها كي تتمكن من استقطاب هذا العدد من المتطوعين وتوظفهم في أعمالها غير الربحية بشكل فعال.
من المهم في إطار السعي إلى تمكين المنظمات غير الربحية وتحسين بيئة العمل فيها الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي حقق العمل غير الربحي فيها تقدماً كبيراً مقارنة بمثيله في الدول النامية، فعلى سبيل المثال، تعمل في الولايات المتحدة حالياً ما يقارب المليون ونصف مؤسسة غير ربحية (حسب تقدير مكتب حقوق الإنسان في وزارة الخارجية الأمريكية) أي ما يعادل مؤسسة غير ربحية لكل 213 شخصاً من السكان، مقارنة بألف منظمة غير ربحية تعمل في المملكة العربية السعودية (حسب دراسة المركز الدولي للأبحاث والدراسات "مداد") وهو ما يوازي مؤسسة غير ربحية لكل 31 ألفاً من السكان.
ومع هذا التقدم الكبير الذي حققه العمل في المنظمات غير الربحية في الولايات المتحدة، إلا أن المشاكل المتعلقة بقيادة العمل تبدو مشابهة لما يواجهه العمل التطوعي في المملكة، فقد نشرت مجلة هارفرد للأعمال (هارفرد بزنس ريفيو) في ديسمبر 2015 مقالة تتحدث عن أهمية تطوير الكفاءات في العمل التطوعي استعرضت نتائج دراسة أجرتها مجموعة بريدج سبان عن المستويات القيادية في العمل التطوعي شملت مقابلات مع حوالي 400 موظف قيادي (C-Suite) في العمل التطوعي تحدثوا خلالها عن أهم أسباب تركهم العمل في المنظمات التطوعية.
الدافع لإجراء الدراسة كان الإحصائيات التي تشير إلى أن ما يقارب نصف شاغلي المناصب القيادية في المنظمات التطوعية إما تركوا أعمالهم خلال السنة السابقة للدراسة أو يخططون لترك منظماتهم خلال السنة أو السنتين التالية.
وعندما عملت المنظمات على إحلال قيادات جديدة مكان من غادروا مواقعهم، كان نصيب موظفي نفس المنظمات الذين ترقوا لشغل مناصب قيادية حوالي 30%، بينما جاء 44% من منظمات تطوعية أخرى، مما يعني أن حوالي ربع المناصب الشاغرة فقط نجح في استقطاب قيادات من خارج العمل التطوعي.
هذه النتائج تعطي مؤشراً واضحاً عن أزمة القيادة في العمل التطوعي في الولايات المتحدة، حيث أن نصف القيادات يتم تدويرها بين المنظمات، مما يرفع من التكلفة ويؤسس لثقافة التنافس بين المنظمات عوض تنمية قيادات جديدة، أو استقطاب كفاءات من خارج المجال التطوعي تنقل خبرات ورؤى تطويرية جديدة، وهي من أهم احتياجات تنمية العمل التطوعي.
ولدى سؤال المستقيلين من المؤسسات التطوعية عن أسباب ترك العمل، جاءت قلة العوائد المادية في المرتبة الأولى بنسبة تصل إلى 57%، بينما ذكر كثير من المستقيلين سبباً إضافياً هو غياب ثقافة التطوير الإداري، والذي حل ثانياً بحصوله على حوالي 50% من الإجابات، وتفاوتت النسب للسببين الأخيرين في القائمة وهما ضعف احتمالات الترقية مستقبلاً بسبب وجود هيكل تنظيمي قليل المستويات (مسطح)، وأخيراً عدم وجود القدرة والتحفيز على التطور.
أما المنظمات التي استطاعت أن تجد الحلول المناسبة للمحافظة على الكفاءات وتطويرها، واستقطاب القيادات للعمل فيها، فقد تميزت بأمرين مهمين، الأول: بناء هيكل تنظيمي ذي مستويات متعددة وتخصصات مختلفة يتيح المجال لترقية العاملين بناء على تحسن قدراتهم وفق خطة تطوير مهني واضحة (Career path)، والثاني: بناء برامج تطوير الكفاءات للموظفين تناسب تطلعاتهم ورغباتهم في التطور المهني وليس فقط الوظيفي.
ومع عدم وصولنا إلى دراسات تتناول نفس الموضوع في المنطقة، إلا أنه من المرجح أن نجد نفس المشكلات في المنظمات العاملة في المملكة، وبالتالي قد يكون من المناسب الإعداد للتعامل مع هذه المشكلة ضمن سياق الحوكمة وتمكين العمل التطوعي.

الخميس، 26 مايو 2016

طالت الثورة .. ولم ييأس الأبطال

مضت أكثر من خمس سنوات على انطلاق الثورة السورية ضد الفساد والظلم والطغيان.
خمس سنوات من التآمر الدولي المخزي، والتخاذل العربي المريب، وإجرام النظام الدنيء، والصبر السوري المضني.

خمس سنوات كنا نخجل فيها من أنفسنا إن شعرنا بفرحة، أو تكلمنا في موضوع غير الثورة، أو غردنا بنكتة على تويتر وأهلنا يموتون يومياً.

ما أفلح فيه النظام خلال السنوات الخمس الماضية هو تحويل الثورة إلى حالة من حالات المعيشة، مثلها مثل أزمة اقتصادية خانقة، أو نقص في المواد التموينية. 
مؤيدو النظام ومن يعيشون في مناطق سيطرته تعايشوا مع الوضع، ومن يعيشون في المناطق المحررة وجدوا طريقة لاستمرار الحياة رغم المصاعب.
حتى اللاجئون والمهجرون تعايشوا مع أوضاعهم، وبدأوا باستكشاف طرق استمرار الحياة، يتاجرون، يعلمون، ويتزوجون.

المغتربون من أمثالي تحمسوا كثيراً في البداية، وهرعوا يقدمون ما يستطيعون، حتى بدأوا يشعرون باليأس، وازدياد الحنين الخانق، فتخاذل كثيرون -وأنا منهم- واكتفوا بجهد المقل.

وحدهم الأبطال الباقون على الأرض لم ييأسوا ولم يستسلموا.. هكذا هم الأبطال وهذا قدرهم. منهم من يقاتل دفاعاً عن الأرض والعرض، ومنهم من يعمل في الإغاثة أو التعليم والخدمات.. وكلهم .. كلهم أبطال.

لماذا أكتب هذا الكلام؟ 
أدركت أمس أن حياتي تقريباً توقفت تماماً بانتظار لحظة النصر وتحقق الحرية، كل مشاريعي مؤجلة، وكل محاولاتي للتعلم والتحسين محصورة  في إطار الثورة وخدمة البلد التي أنتظر ولادتها من رحم المعاناة القاتلة.
لحظة هذا الإدراك قررت الخروج من الحالة السلبية، قررت أن ما أستطيع تقديمه قدمته بالفعل، وحان الوقت لاستمرار الحياة دون إحساس بالذنب.. لن أستطيع أن أفعل شيئاً لتخفيف المعاناة عن أهلي، فلا أقل من أن أنفع من أستطيع حولي، سواء بنصيحة أو بتعليم أو بخدمة.

وإن أحسست بالذنب يوماً أو بالخجل، فليس أمام أحد إلا أمام الأبطال الصامدين على الأرض.. هؤلاء فقط من يستحقون أن أشعر بالتقزم إزاءهم .. وهو ما أشعر به فعلاً.

الأحد، 8 مايو 2016

فسحة

هي فسحة
نحو السما 
ترقى بها أرواحنا
إذ  تبتدي
من سجدة قرب الجدارْ
تسبيحةٍ
فيها دنوٌّ و انكسارْ
ومتى انقضت صلة الصلاةِ
تلفت القلب الكسيرُ
مضعضعاً 
متنقلاً 
بين القبابِ
محلقاً 
يرجو الخلاص من الإسارْ
ليطل من بين المنائرِ
هائماً 
بالذكر يعلو
سارحاً
متشرباً ضوء النهارْ

هي فسحة نحو السما 
تبدو متى ضاق المدى
فتزيل عن قلب العنيّ 
عناءه 
تأسو جراح اليأس فيه
فتختفي آلامه
بابُ السماء هنا تفتّٓحٓ 
لابتهالات الرجا
مُدَّتْ له كفُّ الضراعة بالدعا
وتلقفتْ بشرى القبولِ
تلوح من بين الغيومِ
تهلُّ 
ترفلُ بالرضا
هي فسحةٌ..
بابٌ..
سما.

٧ مايو ٢٠١٦
القاهرة



الصورة من جامع السلطان حسن بالقاهرة 


السبت، 26 سبتمبر 2015

رسالة من فلسطيني إلى لاجئ سوري

للأسف لم أقرأها إلا اليوم.. بعد أن أصبح كل ما (تنبأ) به الكاتب حقيقة واقعة.. شاركني بها صديق ورأيت أنها تستحق الحفظ.
الكاتب هو إبراهيم جابر، وهي منشورة على صفحته على فيسبوك بتاريخ30 يونيو 2011  !!

قد تُضيعك أمّك في الحقول "التركية"، وسيكون مُضحكًا أن يقول لاجئ ـ في معرِض حديثه لاحقًا ـ أنه قد ضاع!
وحده الذي كان يعرف وجهته، هو الذي يضيعُ يا صديقي، وأنت وجهتك كانت مُجرّد النجاة من الموت، وها أنت لم تمت على كل الأحوال!
ولا تَخف، فكلّ شيءٍ في البيت، هناك، سيظلّ على حالِه، أواني المطبخ، ألعاب الأولاد، الشجرة العاقر خلف النافذة.. كلّ شيءٍ سيظلّ على حالِه، لكن عليك بدءًا من هذا الصباح أن تعتاد أشياءك الجديدة: أنت الآن رقمٌ في سجلات اللاجئين، وفي نشرات الأخبار، وفي اجتماعات اللجان ومساعي الوفود، وفي قصائد الشعراء الذين يستفيدون من قتلى المعارك أكثر مما يستفيد عُمّال المقابر!
ستكون الخيمة مزعجة في الليلة الأولى، ثم في السنة الأولى، بعد ذلك ستصير ودودةً كواحدٍ من العائلة، لكن حاذر أن تقع في حبها، كما فعلنا!
لا تبتهج إن رأيتهم يقيمون لكم مركزًا صحيًّا، أو مدرسةً ابتدائية، هذا خبرٌ غير سارّ أبدًا!
وإيّاك أن تتورط بمطالبات غبية مثل بناء بيوت بسيطة بدل الخيام، أو بخطوط مياه وكهرباء، ذلك يعني أنك بدأت تتعايش.. وهنا مَقتلُ اللاجئ، وهنا أيضًا مَقبرته!
انتبه دائماً أن لا تترك غضبك في الخيمة حين تخرج، كُن غاضباً دائما، غضبك هو الذي سيجعلك حيّا، غضبك مَعدات بقائك، وإن استرحتَ يومًا فهذا يعني أنك لم تعد تلهثُ باتجاه "العودة"!
ولا تُدرّب أولادك على الصبر، الصبر حيلة العاجز، وذريعة مَن تَخلّى، واللاجئ يموت إن لم ينظر خلفه مرّتين في اللحظة الواحدة.
أنت لستَ ابن "هناك"، تَذَكّر هذا دائما، أنت لك "هنا" جميل ولا يُخان .. لا تنم ليلةً دون أن تُعدّد محاسنه لأطفالك، واقرأ عليهم كيف مات الناس، وكيف ذُبحوا على شاشات التلفزيون لأنهم لم يُصفّقوا للخِطاب، وقل لهم إنك تنام بين أشجارٍ غريبة، لأنك لم تشأ أن تُلدغَ من جُحر واحدٍ مَرّتين!
سيبيعك الناس لبعضهم، تلك هواية السياسيين، وسيجيئك المتضامنون من كل البلاد، ستصير أنتَ شعارهم الانتخابي، ويتقربون بك إلى الله، وستزداد همّة الناس في تفقّدك في "رمضان"، وفي الأعياد والمناسبات الدينية!
والبعض سيصوّر أطفالك منهكين وجائعين، لمجرد أن يحصل على مكافأة من رئيس التحرير، أو مدير المحطّة، وزوجتك النائمة الآن في الظلّ قد تكون موضوعًا لصورةٍ تفوز بجائزةٍ دولية!
تلك حياتك الجديدة: سينشب حبٌّ في الخيام، ويولد رَسّامٌ موهوب، وسيولد أيضًا عميلٌ وعاهرة، وسيولد فدائي مهنته أن يصنع (من جزمةٍ أُفقا!)
ستتعلّمون لغات جديدة، ومشاعر جديدة، وستنشأ علاقةٌ مُلتبسةٌ مع المنفى، وقد تشعر في ليلةٍ ماكرةٍ بأنه لا ينقصهُ شيء ليكون كافياً كوطن.. لكنك سرعان ما ستنتبه: الأشجار هنا لا تخضرّ كما يجب، والملح ليس مالحا، والذين ماتوا لن يغفروا لي، وتعود تنظر للوراء مرّتين!
وهنا سيتقدمُ ابنك الذي صار رجلاً دون أن تنتبه ليحمل عنك الذاكرة.. ليحمل حُلمك الذي أنقض ظهرك!
ربما يا صديقي أن الأمر سيبدو مُعقّدًا في البداية، لكنّه واضحٌ: أنت "هناك" لأن الـ"هنا" متوعكة، وقد يطول غيابك ليلتين، لكنك لستَ في رحلةٍ للبحث عن هويّة جديدة، ولن تُفكّر حتماً في مدّ سلك كهرباء إلى الخيمة.. تلك خطيئتنا نحن، حين قُلنا: الخيمة ضيّقةٌ ونحتاج خيمتين إضافيتين!
يا صديقي لا تُفكّر في الأمر إلا وأنت تنظرُ خلفك، وتذكر أيضًا أنك أدرتَ خدّك الأيسر مرّتين، أيّ خدّ ستدير الآن؟!
...
واسمعني، فأنا أفوقك خبرة بـ63 عامًا في هذه "المهنة": لا تلتقط الصور التذكارية مع سفراء النوايا الحسنة، ولا تشكو لهم حرارة الطقس، أو من الحصى في الخبز، وحاذر أن تطالب بخيمةٍ أفضل، ليس ثمة خيمة أفضل من خيمة، وقل لهم إن مشكلتك ليست
عاطفية، ولن تحلّها زيارة "أنجلينا جولي.


الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

في وداع جدتي


استيقظت على رنين الهاتف، لم يكن الوقت مبكراً لكن نوم رمضان يكون بعد الفجر دائماً، لم أستطع الرد قبل انتهاء الاتصال، ورأيت أن المتصل والدتي، قبل أن أتصل بها وصلتني رسالة أخي، توفيت جدتك وأمي مضطربة جداً، تعال بسرعة.
لم يكن الخبر مفاجئاً، فحالتها الصحية متدهورة منذ فترة ليست بالقصيرة، وذاكرتها التي تلاشت تقريباً في سنواتها الأخيرة لم تعد تسعفها حتى بالكلمات العادية، قفزت إلى ذهني فوراً آخر مرة التقيتها بها، قبل يومين من وفاتها، بدت يومها نشيطة على غير المعتاد، كلمتني وطلبت مني الجلوس، بعاميتها الحلبية المحببة (بروك)، قالت لي وهي تجذبني من قميصي بشدة لا تتناسب مع ضعفها الذي تعاني منه خلال الشهور الأخيرة.
جلست أمامها نتحدث، أو أتحدث وهي تنظر لي، ثم تحاول القيام، نقلتها من الكرسي المتحرك إلى الكنبة لتجلس بين ابن خالي وبيني، لتعود وتطلب الانتقال إلى كرسيها، حينها خطر ببالي أنها صحوة الموت.. ولم أقل شيئاً.
وصلت إلى بيت والدتي لأشاهدها مستلقية على جانبها الأيمن، على طرف السرير كما تعودت أن تنام، هادئة كما هي دائماً، ووالدتي تبكي لأنها لم تشعر بها حين توفيت.. رحمها الله، ماتت بهدوء، غادرت بخفة دون أن تثقل على أحد، كما عاشت حياتها كلها تحاول عدم الإثقال.
إجراءات الغسل، الصلاة، الدفن، كلها تمت بسرعة وهدوء، لم تثقل علينا أبداً، أكثر ما أثقلني كان الحزن الذي يحفر عميقاً .. عميقاً في القلب .. ماتت أم زهير.
بيني وبين جدتي أم زهير قصة طويلة، هي الجدة الوحيدة التي أعرفها، فجدتي لوالدي توفيت قبل أن أولد، وهي الأم الثانية التي أعرفها، فبيتنا القريب من بيتها بحلب، ووظيفة والدتي، جعلتها ترعاني خلال وجود والدتي في المدرسة، فنشأت كأصغر أبنائها، مدللاً بين أخوالي وخالاتي.
لم أستطع رثاءها شعراً، ولا أظنني سأستطيع، فحزني عليها أكبر من الكلمات، بعد رحيلها أمضيت ليالٍ أستعيد ذكرياتي معها، لا أذكر أنها ضربتني يوماً، ولا أستطيع تذكر تعنيفها أو غضبها علي، لا أذكرها إلا ضاحكة .. ضاحكة لي إن قلت لها شيئاً طريفاً، أو فعلت ما يعجبها، أو ضاحكة مني حين أسأل سؤالاً ساذجاً لا تريد الإجابة عليه.
في حلب كانت أجمل ذكرياتي مع جدتي، ذكريات امتدت عبر ربع قرن، تبدأ بها مستندة على كتفي –وأنا في العاشرة- ونحن نصعد الطريق القصير من (المؤسسة التعاونية) نتقاسم حمل الأغراض، بعد جولة قامت بها لتفقد بيت خالي الذي لا يزال في مرحلة البناء، وزيارة خالتي التي تسكن قريباً، لتختمها بشراء التموين، والمشي عائدين للبيت كي نتعشى في (القبو).  
وفي حلب أيضاً، بعد خمسة وعشرين سنة وفي آخر زيارة لي قبل أن يحول بيننا الأمن السياسي، أخذتها لتقضي عدداً من مشاويرها، ولنمر في ختامها على (سوق الهال) لتشتري ما تطبخه لنا كي تدلل عائلتي الصغيرة، مستندة على عكازها بيد، وإلى يدي باليد الأخرى، بهمة لا تعرف الكلل وهي التي تجاوزت الخامسة والثمانين آنذاك.
بين هذين المشوارين ذكريات متناثرة لا تمحى، أذكرها ليلاً حين ننام معها في غرفة الجلوس بالصيف، بعد أن تطمئن إلى أننا في أماكننا تبدأ في الدعاء، لم تكن جدتي كثيرة العبادة، لكنها كانت تعرف مقدار رحمة الله، علاقتها بخالقها علاقة صوفية نادرة، تحدثه وتدعوه كأنها تراه، لا تكثر من الكلام لكنها تدعو على مبدأ (علمك بحالي يغنيك عن سؤالي)، فتبدأ دعاءها بالنداء: إلهي، وليداتي ووليدات وليداتي. مكتفية بهذا (الجامع المانع) بالسؤال لهم كلهم، ثم تبدأ تعداد من يعاني هماً من أبنائها واحداً واحداً، تدعو لكل منهم بما يهمه ليلتها، أو ما تشعر أنه يهمه، فإذا وصلت إلى ابنها المغيب في سجون النظام انقلب الدعاء إلى عتاب لله القريب الذي تحسه قريباً منها، فتسأله بعتاب: يا ربي، ما حاجته جمال؟ (أي ألم يكفه حتى الآن)؟ يا رب، خليني أفرح بأولاده قبل ما أموت. واستجاب لها الله ففرحت برؤية أولاده قبل موتها.
كان عشقها الدائم زرع الحديقة، تعتني بأشجارها، تسقيها، تعرش الياسمينة كي تنشر عبقها، وتجمعنا لنساعدها في قطف الزيتون حين يحين وقته. لم تحنّ لشيء خلال سنوات الاغتراب مثل حنينها لحديقة بيتها وزرعه، وما كان يؤلمها شيء مثل ألمها لرؤية نبتة يابسة.
كانت الرحمة في قلبها أصيلة عميقة الجذور، لا مصطنعة أو مكتسبة، سواء رحمتها بالقطط الشاردة الجائعة، أو سؤالها الدائم لبناتها وحفيداتها عندما يجلسون للطعام: هل أكلت الصانعات؟ (تعني السؤال عن الخادمات الموجودات، فدوماً يجب أن يوضع نصيبهن من الأكل قبل جلوس الضيوف).
وكما رحمتها، كذلك كان كرمها، أكبر فرحة لها كانت عندما يجتمع الضيوف في حديقة البيت، وعندما كبرنا، كنت لا أخطئ نظرة السعادة في عينيها عندما أدعو ضيوفاً بوجودها، حتى وهي تؤنبني على تبذيري، كانت الكلمات غير صادقة، ونظرة الرضا صادقة.
صاحبة همة ندر مثيلها، تقوم من مكانها على المائدة لتتناول قطعة الخبز البعيدة عنها، ولا تطلب من أحد مناولتها، كانت في التسعين عندما وصلت متأخراً لبيت خالي وقد اجتمع فيه أبناؤها وأحفادها، أجلستني بجانبها وسألتني: إيش أسكب لك؟ أجبتها ممازحاً: تشكيلة فطاير. لكنني ندمت على المزحة، وأمسكت بها بالكاد وهي تستند على عصاها وتهم بالقيام كي تسكب لي ما آكله!
رحلت أم زهير، بهدوء لم تثقل فيه على أحد، خفيفة كما كان وجودها دوماً، لكنها خلفت في أنفسنا فراغاً كبيراً لا يتناسب مع جسدها الضئيل، فراغاً لن يملأه يوماً أحد بعدها، ورغم أنها تجاوزت التسعين، رغم مرضها الذي طال، رغم نسيانها لمعظمنا –إن لم يكن كلنا- لم يكن رحيلها سهلاً، بل كان الحزن كبيراً كما كان حضورها في حياتنا كبيراً.
رحمك الله يا جدة، وأجزل لك الثواب على ما قدمت، وتجاوز عن سيئاتك، وعاملك بحسن ظنك به، وأفاض عليك من كرمه وجوده ولطفه وإحسانه في مستقر رحمته.